- عن ابن عباس، قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧] قال: "العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوّة ولا يرجو إلا الله" (^٢).
- وقال الفيروزأبادي: "وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧] المراد توحيد الله والإيمان به" (^٣).
- وقال البغوي في تفسيرها: "يعني: لا إله إلا الله" (^٤).
- وقال ابن كثير: "وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها" (^٥).
- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ
_________________
(١) جلاء الأفهام ص: ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٢) تفسير الطبري (سورة مريم الآية: ٨٧).
(٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ١١٤.
(٤) تفسير البغوي (سورة مريم الآية: ٨٧).
(٥) تفسير ابن كثير (سورة مريم الآية: ٨٧).
[ ١٢٤ ]
الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾: وقال بعضهم: العهد: التَّوْحِيدُ" (^١).
- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ثم أخبر فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧]، فنقضوا العهد الأول، ونقضوا ما أخذ عليهم في التوراة أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يؤمنوا بالنبي ﷺ، وكفروا بعيسى وبمحمد، ﵉، وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧]، يعني ويعملون فيها بالمعاصي، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] في العقوبة، يعني اليهود، ونظيرها في الرعد: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] من إيمان بمحمد ﷺ، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرَّعْد: ٢٥] " (^٢).
- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.
وقال آخرون: إنما نزلت هذه الَايات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم،
_________________
(١) تفسير يحيى بن سلام. (سورة مريم: الآية: ٨٧).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة البقرة الآية: ٢٧).
[ ١٢٥ ]
وإياهم عنى الله جل ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وبقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨] فكل ما في هذه الَايات فعذل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قصصهم. قالوا: فعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه: هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن الناس، بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلًا.
- وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق.
- وقال آخرون: العهد الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله: وَإذْ أخَذَ رَبّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ على أنْفُسِهِمْ الَايتين، ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به" (^١).
_________________
(١) تفسير الطبري (سورة البقرة الآية: ٢٧).
[ ١٢٦ ]
- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وتفسيره في سورة الأعراف ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧]
- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): يعني ما أمر الله به من الإيمان بالنبيين كلهم ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] أي يعملون فيها بالشرك والمعاصي ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] خسروا أنفسهم أن يغنموها فيصيروا في الجنة، فصاروا في النار" (^١).
- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مَرْيَم: ٧٨]، أي: لم يفعل، والعهد: التوحيد؛ في تفسير بعضهم" (^٢).
- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ في تفسيرها: "يعني: لا إله إلا الله" (^٣).
- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧]: العهد: هو قول لا إله إلا الله.
وأقول: الذي يدل على صحة هذا القول وجوه:
الأول: أن قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ نكرة في طرف الثبوت،
_________________
(١) تفسير ابن أبي زمنين (سورة البقرة الآية: ٢٧).
(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين ٣/ ١٠٥.
(٣) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (سورة مريم الآية: ٨٧).
[ ١٢٧ ]
وذلك لا يفيد إلا عهدًا واحدًا، فهذه الآية تدل على أن تلك الشفاعة تحصل بسبب عهد واحد، ثم أجمعنا على أن ما سوى الإيمان فإن الواحد منه، بل مجموعة لا يفيد تلك الشفاعة البتة، فوجب أن يكون العهد الواحد الذي يفيد تلك الشفاعة هو الايمان، وهو قول: لا إله إلا الله.
والثاني: أن جماعة من المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠]. هو عهد الإيمان، بدليل أن لفظ العهد مجمل، فلما أعقبه بقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤١]. علمنا أن المراد من ذلك العهد هو الإيمان، وهو قول " لا إله إلا الله، محمد رسول الله ".
والثالث: أن أول ما وقع من العهد قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢]، وذلك في الحقيقة هو قول لا إله إلا الله، فكأن لفظ العهد محمولًا عليه.
والرابع: أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيه حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التَّوْبَة: ١١١]، فكأن العهد من جانبك عهد الإقرار بالعبودية، ومن جانب الحق عهد الكرم والربوبية، فثبت بهذه الوجوه: أن المراد من قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧]. هو قول: لا إله إلا الله.
الخامس: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البَقَرَةِ: ٨٠]. أي قلتم لا إله إلا الله" (^١).
_________________
(١) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٥ - ٦٧.
[ ١٢٨ ]
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧].
- قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "واختلفوا في تفسير العهد على أقوال:
أحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره لهم بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته في كتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه المرسلة، ونقضهم له تركهم العمل به.
الثاني: أنه العهد الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢] الآية، ونقضهم له كفر، بعضهم بربوبيته، وبعضهم بحقوق نعمته.
الثالث: ما أخذه الله عليهم في الكتب المنزلة من الإقرار بتوحيده والاعتراف بنعمه والتصديق لأنبيائه ورسله، وبما جاؤوا به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [ال عِمْرَان: ١٨٧] الآية، ونقضهم له نبذه وراء ظهورهم، وتبديل ما في كتبهم من وصفه ﷺ.
الرابع: ما أخذه الله تعالى على الأنبياء ومتبعيهم أن لا يكفروا بالله ولا بالنبي ﷺ، وأن ينصروه ويعظموه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [آل عِمْرَان: ٨١] الآية، ونقضهم له إنكارهم لنبوته وتغييرهم لصفته.
الخامس: إيمانهم به ﷺ ورسالته قبل بعثه ونقضهم له جحدهم لنبوته ولصفته.
[ ١٢٩ ]
السادس: ما جعله في عقولهم من الحجة على توحيده وتصديق رسوله، بالنظر في المعجزات الدالة على إعجاز القرآن وصدقه ونبوة محمد ﷺ، ونقضهم هو تركهم النظر في ذلك وتقليدهم لآبائهم.
السابع: الأمانة المعروضة على السموات والأرض التي حملها الإنسان، ونقضهم تركهم القيام بحقوقها.
الثامن: ما أخذه عليهم من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ونقضهم عودهم إلى ما نهوا عنه، وهذا القول يدل على أن المخاطب بذلك بنو إسرائيل.
التاسع: هو الإيمان والتزام الشرائع، ونقضه كفره بعد الإيمان.
وهذه الأقوال التسعة منها ما يدل على العموم في كل ناقض للعهد، ومنها ما يدل على أن المخاطب قوم مخصوصون، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف الذي وقع في سبب النزول، والعموم هو الظاهر.
فكل من نقض عهد الله من مسلم وكافر ومنافق أو مشرك أو كتابي تناوله هذا الذم، ومن متعلقة بقوله ينقضون، وهي لابتداء الغاية، ويدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل بينهما، وفي ذلك دليل على عدم اكتراثهم بالعهد، فإثر ما استوثق الله منهم نقضوه" (^١).
_________________
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (سورة البقرة الآية: ٢٧).
[ ١٣٠ ]