فالحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي أُمرنا بالتمسك به، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأَنْعَام: ١٥٣]. فأفرد الله (الصراط)، وجمع
_________________
(١) (صحيح) رواه أحمد (٤/ ١٢٦)، وابن ماجه (٤٣)، والحاكم (١/ ٩٦)، وابن أبي عاصم (٤٨، ٤٩) وقد صححه الألباني.
(٢) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة ص ١١٩ - ١٢٠. تعليق الشاملة: تكررت هذه النقول كلها (عن ابن القيم، ومقاتل، وابن كثير، وحافظ حكمي) وزيادة، في مبحث (الاسم السادس والعشرون: ومن أسماء التوحيد «الصراط المستقيم، ص ٥٦٣ - ٥٦٦
[ ٢٢ ]
(السبُل)، وأمرنا أن نسأله ذلك في كل صلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفَاتِحَةِ: ٦ - ٧] فهو واحد، وقال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾ [الحِجْر: ٤١].
- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "خط رسول الله ﷺ خطًّا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيمًا، ثم خطّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ النبي ﷺ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، بعد ذلك. قال: ثمّ خط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾» (^١).
- قال الفيروزأبادي: "أجمع العقلاء على أن قولنا: لا إله إلا الله يوجب التوحيد المحض" (^٢).
وسئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر الصديق ﵁ عن الاستقامة فقال: "ألا تشرك بالله شيئًا". قال الفيروزأبادي: "يريد الاستقامة على محض التوحيد" (^٣).
- قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "أصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد، وقد فسر أبو بكر ﵁ الاستقامة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
_________________
(١) رواه أحمد: ٤١٤٢، وابن حبان: ٧، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ١/ ١٤٧. وهو حديث حسن صحيح.
(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٢/ ١٢.
(٣) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٤/ ٣١٢.
[ ٢٣ ]
اسْتَقَامُوا﴾، بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره" (^١).
والصدّيق ﵁ استقى هذا المعنى من آيتين في كتاب الله تعالى ..
الآية الأولى: قول الله عن عيسى ﵇ لقومه: ﴿اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾ [آل عِمْرَان: ٥١].
والثانية: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُلَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١].
- وقال عثمان بن عفان ﵁: "استقاموا: أخلصوا العمل لله" (^٢).
- وقال مجاهد: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله" (^٣).
- قال ابن القيم ﵀: "والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة" (^٤).
- وقال ابن القيم: "والمقصود أن الطريق إلى الله تعالي واحد، فإنه الحق المبين، والحق واحد، مرجعه إلى واحد، وأما الباطل والضلال فلا ينحصر، بل كل ما سواه باطل، وكل طريق إلى الباطل فهو باطل، فالباطل متعدد وطرقه متعددة" (^٥).
_________________
(١) جامع العلوم ١٩٣.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.
(٣) مدارج السالكين ٢/ ١٠٤.
(٤) بدائع الفوائد: ١/ ١٢٧.
(٥) طريق الهجرتين صـ ١٦٢.
[ ٢٤ ]
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا" (^١).
فالأدلة متوافرة على أن الدين واحد، وهو الصراط الموصل إلى الله، وأن منهجه، وسبيله، التوحيد، فالإسلام واحد، فالله تعالى هو الإله الحق الواحد، ومن يعبدونه، ويوحدونه هم أهل الحق، والآلهة الأخرى باطلة، وعابدوها على الباطل.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحَج: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يُوسُف: ٣٩]، ودين الحق واحد، وهو دين الإسلام، وبقية الأديان باطلة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عِمْرَان: ٨٥].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التَّوْبَة: ٣٣].
فطريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المَائِدَة: ١٠٠].
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "صار المتمسكون بالإسلام المحض
_________________
(١) منهاج السنة النبوية: ٥/ ١٩٠.
[ ٢٥ ]
الخالص عن الشَّوب، هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الطائفة المنصورة" (^١).
- قال الإمام سفيان الثوري ﵀: "نحن اليوم على الطريق، فإذا رأيتمونا قد أخذنا يمينًا أو شمالًا فلا تقتدوا بنا" (^٢).
- قال محمد بن المنكدر: "كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت" (^٣).
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبدا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته" (^٤).
- قال ابن القيم: "إِنَّمَا يُكْرِمُ الله مَنْ يُكْرِمُهُ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَيُهِينُ مَنْ يُهِينُهُ بِالْإِعْرَاضِ عنه؛
فالإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره، فإنه سبحانه يوسع على الكافر ويقتر على المؤمن لا لإهانته" (^٥).
- قال ابن القيم: "على قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط في هذه الدار، يثبت على الصراط في الآخرة" (^٦).
_________________
(١) العقيدة الواسطية: ١/ ٣٢.
(٢) أخبار الشيوخ للمروذي (٩٩).
(٣) صفوة الصفوة ٢/ ١٤١.
(٤) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٩٨.
(٥) مدارج السالكين ١٧٢.
(٦) مدارج السالكين ١/ ١٦.
[ ٢٦ ]