قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨].
- قال الطبري: "وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: وجعل قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٧] وهو قول: لا إله إلا الله، كلمة باقية في عقبه، وهم ذريّته، فلم يزل فى ذريّته من يقول ذلك من بعده.
- وعن مجاهد ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] قال: لا إله إلا الله.
- وعن قتادة ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] قال: شهادة أن لا إله إلا الله، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده" (^٢).
- عن السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] قال: "لا إله إلا الله" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١١/ ٦٩٧.
(٢) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
(٣) تفسير الطبري (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
[ ١٣٨ ]
- قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] يعني: لا إله إلا الله" (^١).
- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "روي عن كثير من المفسرين أنهم قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨]. أنها قول لا إله إلا الله. ويدل عليه وجوه:
الأول: مقدمة هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦ - ٢٧] وكان معنى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ نفي الإلهية عن الأشياء التي كانوا يعبدونها. ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزُّخْرُف: ٢٧]. فكان فيه اثبات الإلهية للذي فطره، فإذا حصل هذان المعنيان كان مجموعهما هو قول: لا إله إلا الله. ثم قال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨]. فثبت أن المراد من الكلمة الباقية قول لا إله إلا الله.
الثاني: أنه تعالى قال في سورة القصص: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القَصَص: ٨٨]. فبين أن كل شيء هالك إلا هو، فإنه واجب الدوام والبقاء. والسرمدية، وقد عرفت أن القول تبع المقول، والاعتقاد تبع المعتقد، فكان صدق لا إله إلا الله، وحقيقة لا إله إلا الله واجبي الثبوت والبقاء والدوام، وذلك هو المراد بكونها باقية.
الثالث: أنا بينا أن التوحيد لا يزول بسبب المعصية، والمعصية تزول بسبب
_________________
(١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (سورة الزخرف الآية: ٢٨) ٤/ ١٨٢.
[ ١٣٩ ]
التوحيد، وأيضًا التوحيد يبقى مع أهل الجنة، وسائر الطاعات لا تبقى، روى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ عن جبريل «أن الله يقول يوم القيامة: مالي أرى فلان بن فلان في صفوف أهل النار؟ فأقول: يا رب، أنا لم نجد له حسنة، فيقول الله تعالى: إني سمعته في الدنيا يقول: يا حنّان يا منّان، فاذهب إليه فسله. فيأتيه فيجده في زاوية من زوايا جهنم يقول: يا حنان يا منان، فيسأله جبريل عن هذه الكلمة، فيقول: وهل حنان منان غير الله. قال جبريل: فأخذ بيده من صفوف أهل النار، فأدخله في صفوف أهل الجنة» (^١) " (^٢).
- قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: " ﴿وَجَعَلَهَا﴾ وجعل إبراهيم ﵊ أو الله كلمة التوحيد. ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ في ذريته فيكون فيهم أبدا من يوحد الله ويدعو إلى توحيده" (^٣).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهي: الكلمة التي جعلها إبراهيم في عقبه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ " (^٤).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي
_________________
(١) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٤٥٩) باختلاف يسير، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٢١٠) واللفظ له. وفيه الفضل الرقاشي تفرد به ولم يتابع عليه.
(٢) عجائب القرآن للرازي صـ ٦٠ - ٦١.
(٣) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي (سورة الزخرف الآية: ٢٨).
(٤) قاعدة حسنة في الباقيات الصالحات. لابن تيمية. صـ ٢٩.
[ ١٤٠ ]
كلمة: لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة" (^١).
- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٨] أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي: "لا إله إلا الله" أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم، ﵇، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ أي: إليها" (^٢).