قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النَّحْل: ٥٣].
- قال صالح الدمشقي (من القرن الثاني من الهجرة) ﵀، لا بنه: "يا بني، إذا مرَّ بك يوم وليلة قد سلم فيهما دينك، وجسمك، ومالك، وعيالك فأكثِر الشكرللَّه تعالى" (^٢).
- وقال الحسن البصري (ت: ١١٠ هـ) ﵀: "كلما شكرت نعمة؛ تجدد لك بالشكر أعظم منها" (^٣).
- وقال الجنيد (ت: ٢٩٨ هـ) ﵀: "الشكر: أن لا يعصى الله ﷿ بنعمه" (^٤).
- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ذكرهم النعم، فقال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ليوحدوا رب هذه النعم، يعني بالنعم
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٤/ ٧٤.
(٢) سيرأعلا مالنبلا ء (٣/ ٢٢٢).
(٣) سراج الملوك ١/ ٢١٩.
(٤) سراج الملوك ١/ ٢١٨.
[ ١٥٩ ]
الخير والعافية، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾، يعني الشدة، وهو الجوع، والبلاء، وهو قحط المطر بمكة سبع سنين، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾، يعني تضرعون بالدعاء، لا تدعون غيره أن يكشف عنكم ما نزل بكم من البلاء والدعاء حين قالوا في حم الدخان: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ [الدُّخَان: ١٢]، يعني مصدقين بالتوحيد" (^١).
- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "شكر العبد هو: إقراره بأن ذلك من الله دون غيره، وإقرار الحقيقة: الفعل، ويصدقه العمل، فأما الإقرار الذي يكذبه العمل، فإن صاحبه لا يستحق اسم الشاكر بالإطلاق، ولكنه يقال شكر باللسان، والدليل على صحة ذلك: قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرا﴾ [سَبَإ: ١٣]، ومعلوم أنه لم يأمرهم، إذ قال لهم ذلك، بالإقرار بنعمه؛ لأنهم كانوا لا يجحدون أن يكون ذلك تفضلا منه عليهم، وإنما أمرهم بالشكر على نعمه بالطاعة له بالعمل، وكذلك قال ﷺ حين تفطرت قدماه في قيام الليل: «أفلا أكون عبدا شكورا» (^٢) " (^٣).
- قال أبو عبد الله الحسن بن الحسين الحليمي (ت: ٤٠٤ هـ) ﵀: "فمعلوم أن النعم متفاوتة في مراتبها فأولاها بالشكر نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان، والإرشاد إلى الحق، والتوفيق لقوله، لأنه هو الغرض الذي ليس بتابع
_________________
(١) تفسير مقاتل بن سليمان (سورة النحل: الآية: ٥٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٣٦)، ومسلم (٢٨١٩).
(٣) شرح صحيح البخارى لابن بطال (١٠/ ١٨٣، ١٨٤).
[ ١٦٠ ]
لما سواه، وكل فرض سواه، فهو تابع له، فهو ممن جاء به، وثبت عليه شكره لفقره من النعم، والتيسير له نعمة عظيمة يقتضي الشكر لها بالإنهاء على المعاصي، وإتباع الإيمان حقوقه، لأن الإيمان بالله عهد بينه وبين العبد ولكل عهد وفاء. فالوفاء بالإيمان إتباعه ما بعده.
فإن قيل: إلا قلتم إن أولي النعم أولاها بالشكر، هو الحياة ثم العقل والبيان.
قيل: لأن هذه النعم كلها لتكون من المنعم عليه بها الإيمان، فصح إن أفضل النعم الإيمان، فمن شكر لله تعالى تيسيره للإيمان، فقد شكر عامة ما كان الإيمان به، فصارت هذه النعم التي ذكرتها ذا صلة في الشكر والله أعلم" (^١).
- قال ابن عطية (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "ومعنى الآية: التذكير بأن الإنسان في جليل أمره ودقيقه، إنما هو في نعمة الله وأفضاله، إيجاده داخل في ذلك فما بعده، ثم ذكر تعالى بأوقات المرض، لكون الإنسان الجاهل يحس فيها قدر الحاجة إلى لطف الله تعالى" (^٢).
- وقال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "والمعنى: أنه تعالى بين أن جميع النعم من الله تعالى، ثم إذا اتفق لأحد مضرة توجب زوال شيء من تلك النعم فإلى الله يجأر، أي لا يستغيث أحدا إلا الله تعالى لعلمه بأنه لا مفزع للخلق إلا هو، فكأنه تعالى قال لهم فأين أنتم عن هذه الطريقة في حال الرخاء
_________________
(١) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢/ ٥٥٤.
(٢) تفسير ابن عطية (سورة النحل: الآية: ٥٣).
[ ١٦١ ]
والسلامة؟ " (^١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ شارحًا حديث: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة» (^٢). قال ﵀: "وهذا السؤال متضمن للعفو عما مضى، والعافية في الحال، والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها" (^٣).
قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾ [النَّجْم: ٥٥].
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الْآلَاءُ: هِيَ النِّعَمُ؛ وَالنِّعَمُ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ" (^٤).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إِبْرَاهِيم: ٧].
قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النِّسَاء: ١٤٧].
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَإِنَّ الْعَبْدَ يَدْعُوهُ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ
_________________
(١) تفسير الرازي (سورة النحل: الآية: ٥٣).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه برقم: (٣٥١٤)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي والسلسلة الصحيحة ٤/ ٢٩. وأورده الشوكاني في الفتح الرباني ١١/ ٥٥١٦ وقال: "روي بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث؛ وأخرجه أحمد (٥) و(١٧)، والنسائي في الكبرى (١٠٧١٧)، وابن ماجة (٣٨٤٩).
(٣) عدة الصابرين صـ ٢٧١.
(٤) مجموع الفتاوى ٨/ ٣١.
[ ١٦٢ ]
دَاعِي الشُّكْرِ وَدَاعِي الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يَشْهَدُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذَاكَ دَاعٍ إلَى شُكْرِهَا" (^١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وشكر العامة؛ على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصة؛ على التوحيد والإيمان وقوت القلوب" (^٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا" (^٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إنعام الرب تعالى على عبده: فإحسان إليه، وتفضل عليه، ومجرد امتنان. لا لحاجة منه إليه، ولا لمعاوضة، ولا لاستعانة به، ولا ليتكثر به من قلة، ولا ليتعزز به من ذلة، ولا ليقوى به من ضعف. سبحانه وبحمده.
وأمره له بالشكر أيضا: إنعام آخر عليه. وإحسان منه إليه. إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة. لا إلى الله. والعبد هو الذي ينتفع بشكره. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النَّمْل: ٤٠] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى. فلا يذم ما أتى به من ذلك، وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به. ولا يستطيع شكره. فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر. لا أنه مكافئ به لنعم الرب. فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدا، ولا أقلها، ولا أدنى
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٨/ ٣١.
(٢) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٥.
(٣) مدارج السالكين ٢/ ٢٣٧.
[ ١٦٣ ]
نعمة من نعمه. فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر والشاكر، وما يشكر عليه. فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناء عليه. فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها. فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه. تحتاج إلى شكر آخر. وهلم جرا" (^١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركا؛ فكلما كان الشرك في العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يُوسُف: ٢٤] " (^٢).
- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "قال بعض السلف: "الشكر أن لا يُستعان بشيءٍ من النعَم على معصيته" (^٣).
- قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "الشكر على درجتين:
إحداهما: واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويتجنب المحرمات، فهذا لا بد منه، ويكفي في شكر هذه النعم
ومن هنا قال بعض السلف: "الشكر: ترك المعاصي".
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) إغاثة اللهفان ١/ ١٠٦.
(٣) جامع العلوم والحكم (٢٤٥).
[ ١٦٤ ]
وقال بعضهم: "الشكر أن لا يستعان بشيء من النعم على معصيته".
وذكر أبو حازم الزاهد شكر الجوارح كلها: "أن تكف عن المعاصي، وتستعمل في الطاعات"، ثم قال: "وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه: فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه، فلم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من البرد، والحر، والثلج، والمطر".
الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعمل العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم: بنوافل الطاعات، وهذه درجة السابقين المقربين" (^١).
- وقال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "فكل عطاء الله فضل، فإنه لا واجب عليه، فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص التوحيد له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر المنعم واجب" (^٢).