من التقسيم الذي قال به بعضُ أهل العلم أن القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد، وأخبار، وأحكام، وهذه الأقسام عند التحقيق كلها تعود إلى التوحيد.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن فيه من ذِكْر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذِكر الأكل والشُّرب والنكاح في الجنة، والآياتُ المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظمُ قدرًا من آيات المعاد؛
_________________
(١) منهاج السنة النبوية ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١.
(٢) العذب النمير من مجالسالشنقيطي في التفسير ٢/ ٢٥٣.
[ ١٩٢ ]
فأعظمُ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي المتضمنة لذلك …، وأعظم سورةٍ سورةُ أمِّ القرآن .. " (^١).
بل إن أغلب آيات الأحكام تختم بذكر أسماء الله وصفاته، والمتدبِّرُ لكلام الله جل ذكره يجد أن الآياتِ المختومةَ ببعض أسماء الله تعالى لا تنتهي إلا بما يناسِبُها من الأسماء، ولنكتفِ بمثال واحد؛ قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المَائِدَة: ٣٨ - ٣٩]،
- قال الأصمعي -رحمه الله تعالى-: "قرأتُ هذه الآيةَ وإلى جنبي أعرابي، فقلت: والله غفور رحيم أي بدلًا من "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" سهوًا، فقال الأعرابيُّ: كلامُ من هذا؟ قلت: كلامُ الله، قال: أعِدْ، فأعَدْتُ والله غفور رحيم، فقال: ليس هذا كلامَ الله، فتنبَّهْتُ، فقلت: "وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" فقال: أصَبْتَ، هذا كلامُ الله، فقلت: أتقرأُ القرآن؟ قال: لا، فقلت: فمن أين علِمْتَ أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزَّ فحكَم فقطَع، ولو غفَر ورحِم ما قطَع" (^٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به.
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل، (٣/ ٦١)،
(٢) ذكَر هذه القصة ابن الجوزي ﵀ في تفسيره المسمى زاد المسير (تفسير سورة المائدة الآية: ٣٨ - ٣٩)
[ ١٩٣ ]
ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص الدين كله لله" (^١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جماع الدين هو عبادة الله وحده، وأعظم الذنوب الشرك، والقرآن مملوء من تعظيم التوحيد بالدعاء إليه والترغيب فيه، وبيان سعادة أهله، وتعظيم الشرك بالنهي عنه والتحذير منه وبيان شقاوة أهله" (^٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فتأمل آيات التوحيد والصفات في القرآن على كثرتها وتفننها واتساعها وتنوعها كيف تجدها كلها قد أثبتت الكمال للموصوف بها وأنه المتفرد بذلك الكمال فليس له فيه شبه ولا مثال" (^٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الله سبحانه نصب الأدلة على التوحيد، وأقام البراهين وأظهر الآيات، وأمرنا أن نشهد الأدلة والآيات، وننظر فيها ونستدل بها، ولا يجتمع هذا الإثبات وذلك النفي البتة، والمخلوقات كلها آيات للتوحيد، وكذلك الآيات المتلوة أدلة على التوحيد" (^٤).