قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ
_________________
(١) منهاج السنة ٥/ ٣٤٧.
(٢) الرد على الإخنائي صـ ١٧٢ ..
(٣) كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ٣/ ٩١٦.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ٤٦٥.
[ ١٩٤ ]
كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٧].
فالتوحيد نور يوفق الله له من يشاء من عبادهوقد بيّن الله ﷿ أنه أنزل على محمد ﷺ الآيات الواضحات والدلائل الباهرات، وأعظمها القرآن الكريم؛ ليخرج الناس بإرسال الرسول ﷺ وبما أنزل عليه من الكتاب والحكمة: من ظلمات الضلالة والشرك، والجهل، إلى نور الإيمان والتوحيد، والعلم والهدى.
- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀ في تفسيرها: "يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ يعني بذلك: يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وإنما عنى ب ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ في هذا الموضع، الكفر. وإنما جعل ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ للكفر مثلا لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه.
فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين، ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر عن أبصار القلوب.
ثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني الجاحدين وحدانيته ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾، يعني نصراؤهم وظهراؤهم الذين يتولونهم
[ ١٩٥ ]
﴿الطَّاغُوتُ﴾، يعني الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، يعني بـ ﴿النُّورِ﴾ الإيمان، على نحو ما بينا ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ويعني بـ ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ ظلمات الكفر وشكوكه، الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسبله" (^١).
- قال محمد بن علي بن الحسن بن بشر، أبو عبد الله، الحكيم الترمذي (ت: ٣٢٠ هـ) ﵀: "ثم خص المؤمنين بنور العقل، فجعل مسكنه في الدماغ، وجعل له بابا من دماغه إلى صدره، ليشرق شعاعه بين عيني الفؤاد، ليدبر الفؤاد بذلك النور الأمور، فيميز بين الأمور ما حسن منها وما قبح، ووضع نور التوحيد في باطن هذه البضعة، وهي القلب، وفيه نور الحياة فحيي القلب بالله ﵎، وفتح عيني الفؤاد، فأشرق نور التوحيد إلى الصدر من باب القلب، فأبصر عينا الفؤاد بنور الحياة التي فيهما نور التوحيد، فوحد الله ﷿، وعرفه" (^٢).
قال تعالى: ﴿* اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النُّور: ٣٥].
- قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الله سبحانه هادي أهل السماء وأهل الأرض، فمثل هداه في قلب المؤمن كمثل الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل فيه الهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور" (^٣).
_________________
(١) تفسير جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري. (تفسير سورة البقرية الآية ٢٥٧).
(٢) كتاب رياضة النفس ص: ٣٢.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٢/ ٢٢٥.
[ ١٩٦ ]
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "جاءت النصوص الإلهية في أنه بالإيمان يخرج الناس من الظلمات إلى النور" (^١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن عقوبات المعاصي أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشا، قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه. وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة" (^٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "تعوق القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه ثلاثة أمور:
شرك، وبدعة، ومعصية؛ فيزول عائق الشرك بتجريد التوحيد. وعائق البدعة بتحقيق السنة. وعائق المعصية بتصحيح التوبة" (^٣).
- قال إسماعيل حقي (ت ١١٢٧ هـ) ﵀: "واعلم أن التوحيد أفضل الفضائل كما أن الشرك أكبر الكبائر، وللتوحيد نور كما أن للشرك نارًا وأن نور التوحيد أحرق لسيئات الموحدين كما أن نار الشرك أحرق لحسنات المشركين، ولكون التوحيد أفضل العبادات وذكر الله أقرب القربات لم يقيد بالزمان والأوقات بخلاف سائر الأعمال من الصيام والصلوات فالخلاص من الضلالة إنما هو بالهداية إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله الحميد" (^٤).
_________________
(١) مجموع لفتاوى ٢/ ١٦.
(٢) جامع الرسائل ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٣) الفوائد ص: ١٥٤.
(٤) كتاب روح البيان لإسماعيل حقي ٧/ ٧٢.
[ ١٩٧ ]