قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٩]. ولهذا أمر الله رسوله أن يقول لأهل الكتاب: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤].
قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النَّحْل: ٩٠]
- قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "العدل قول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والاقتداء بسنة نبيه ﷺ " (^١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وإذا كان التوحيد أصل صلاح الناس والإشراك أصل فسادهم والقسط مقرون بالتوحيد؛ إذ التوحيد أصل العدل؛ وإرادة العلو مقرونة بالفساد؛ إذ هو أصل الظلم فهذا مع هذا وهذا مع هذا كالملزوزين في قرن فالتوحيد وما يتبعه من الحسنات هو صلاح وعدل؛ ولهذا كان الرجل الصالح هو القائم بالواجبات؛ وهو البر؛ وهو العدل. والذنوب التي فيها تفريط أو عدوان في حقوق الله تعالى وحقوق عباده هي فساد وظلم؛ ولهذا سمي قطاع الطريق مفسدين وكانت عقوبتهم حقا لله تعالى لاجتماع الوصفين والذي يريد العلو على غيره من أبناء جنسه هو ظالم له باغ؛ إذ ليس كونك عاليا عليه بأولى من كونه عاليا عليك وكلاكما من جنس واحد فالقسط والعدل أن يكونوا إخوة كما وصف الله المؤمنين بذلك.
_________________
(١) تفسير التستري صـ ٩٢.
[ ١٩٨ ]
والتوحيد وإن كان أصل الصلاح فهو أعظم العدل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] ولهذا كان تخصيصهبالذكر في مثل قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٩] لا يمنع أن يكون داخلا في القسط كما أن ذكر العمل الصالح بعد الإيمان لا يمنع أن يكون داخلا في الإيمان كما في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] و﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ [الأَحْزَاب: ٧] هذا إذا قيل: إن اسم الإيمان يتناوله. سواء قيل: إنه في مثل هذا يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين أو قيل: بل عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين وأمثال ذلك مما تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران. لكن المقصود: أن كل خير فهو داخل في القسط والعدل وكل شر فهو داخل في الظلم. ولهذا كان العدل أمرا واجبا في كل شيء وعلى كل أحد والظلم محرما في كل شيء ولكل أحد فلا يحل ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو كان ظالما بل الظلم إنما يباح أو يجب فيه العدل عليه أيضا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ﴾ [المَائِدَة: ٨] أي: لا يحملنكم شنآن أي: بغض قوم وهم الكفار على عدم العدل؛ ﴿قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المَائِدَة: ٨]
[ ١٩٩ ]
وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النَّحْل: ١٢٦] وقال تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشُّورَى: ٤٠]. وقد دل على هذا قوله في الحديث: " «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» فإن هذا خطاب لجميع العباد أن لا يظلم أحد أحدا وأمر العالم في الشريعة مبني على هذا وهو العدل في الدماء والأموال؛ والأبضاع والأنساب؛ والأعراض" (^١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فلا أعدل من توحيد الرسل، ولا أظلم من الشرك. فهو سبحانه قائم بالعدل في هذه الشهادة قولا وفعلا، حيث شهد بها وأخبر، وأعلم عباده وبين لهم تحقيقها وصحتها، وألزمهم بمقتضاها، وحكم به، وجعل الثواب والعقاب عليها، وجعل الأمر والنهي من حقوقها وواجباتها.
فالدين كله من حقوقها. والثواب كله عليها. والعقاب كله على تركها. وهذا هو العدل الذي قام به الرب تعالى في هذه الشهادة.
فأوامره كلها تكميل لها. وأمر بأداء حقوقها. ونواهيه كلها صيانة لها عما يهدمها ويضادها.
وثوابه كلها عليها. وعقابه على تركها، وترك حقوقها.
وخلقه السموات والأرض وما بينهما كان بها ولأجلها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٨/ ١٦٥ - ١٦٦.
[ ٢٠٠ ]
وهي الحق الذي خلقت به المخلوقات. وضدها: هو الباطل والعبث الذي نزه الله نفسه عنه، وأخبر أنه لم يخلق به السموات والأرض.
قال تعالى ردا على المشركين المنكرين لهذه الشهادة ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأَحْقَاف: ١ - ٣] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يُونُس: ٥] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الرُّوم: ٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدُّخَان: ٣٨ - ٣٩] وهذا كثير في القرآن.
والحق الذي خلقت به السموات والأرض، ولأجله: هو التوحيد وحقوقه: من الأمر والنهي. والثواب والعقاب، والشرع والقدر، والخلق، والثواب والعقاب: قائم بالعدل. والتوحيد صادر عنهما. وهذا هو الصراط المستقيم الذي عليه الرب ﷾. قال تعالى حكاية عن نبيه هود أنه قال: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هُود: ٥٦].
فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله. فهو يقول الحق ويفعل
[ ٢٠١ ]
العدل ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأَنْعَام: ١١٥] ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأَحْزَاب: ٤].
فالصراط المستقيم الذي عليه ربنا ﵎: هو مقتضي التوحيد والعدل. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾ [النَّحْل: ٧٦] " (^١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [ال عِمْرَان: ١٨].
تضمنت الآية توحيده وعدله، وعزته وحكمته، فالتوحيد: يتضمن ثبوت صفات كماله، ونعوت جلاله، وعدم المماثل له فيها وعبادته وحده لا شريك له، والعدل يتضمن وضعه الأشياء موضعها، وتنزيلها منازلها، وأنه لم يخص شيئًا منها إلا بمخصص اقتضى ذلك، وأنه لا يعاقب من لا يستحق العقوبة، ولا يمنع من يستحق العطاء، وإن كان هو الذي جعله مستحقا، والعزة تتضمن كمال قدرته وقوته وقهره، والحكمة تتضمن كمال علمه، وخبرته، وأنه أمر ونهى، وخلق وقدر، لما له في ذلك من الحكم والغايات الحميدة التي يستحق عليها كمال الحمد.
فاسمه العزيز يتضمن الملك، واسمه الحكيم يتضمن الحمد، وأول الآية يتضمن التوحيد، وذلك حقيقة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
_________________
(١) التفسير القيم ص: ١٨٢ - ١٨٣.
[ ٢٠٢ ]
الحمد، وهو على كل شيء قدير، وذلك أفضل ما قاله رسول الله ﷺ والنبيون من قبله، والحكيم الذي إذا أمر بأمر كان حسنا في نفسه وإذا نهى عن شيء كان قبيحا في نفسه، وإذا أخبر بخبر كان صدقا، وإذا فعل فعلا كان صوابا، وإذا أراد شيئا كان أولى بالإرادة من غيره، وهذا الوصف على الكمال لا يكون إلا لله وحده.
فتضمنت هذه الآية وهذه الشهادة: الدلالة على وحدانيته المنافية للشرك، وعدله المنافي للظلم، وعزته المنافية للعجز، وحكمته المنافية للجهل والعيب، ففيها الشهادة له بالتوحيد، والعدل، والقدرة والعلم والحكمة، ولهذا كانت أعظم شهادة" (^١).
- قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [اللَّيْل: ٦]: " ﴿وَصَدَّقَ﴾ أي أوقع التصديق للمخبر ﴿بِالْحُسْنَى (٦)﴾ أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه" (^٢).
فالإسلام يتضمن العدل، وهو التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المتفاضلين من المخلوقات، إذ ذلك من الإسلام لله رب العالمين وحده، فإنه إذا كان الدين كله لله وكانت كلمة الله هي العليا كان الله يأمر بالعدل وينهى عن الظلم. وأصل العدل هو القسط، والقسط هو الإقساط في حق الله تعالى بأن لا
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٤٢٧ ..
(٢) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (سورة الليل: الآية: ٦).
[ ٢٠٣ ]
يعدل به غيره ولا يجعل له شريك، كما قال النبي ﷺ لمعاذ: «حق الله على عباده أن يعبدوه لا يشركون به شيئا» فإذا لم يسلموا له بل عدلوا به غيره كان ذلك ظلما عظيما، وإذا فعلوا هذا الظلم في حق الله فهم في حقوق العباد أظلم" (^١).
وقيل في بعض المواعظ: "عجبا لمن يخاف العقاب كيف لا يكف عن المعاصي، وعجبا لمن يرجو الثواب كيف لا يعمل" (^٢).