- قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنَّما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسَب بالإرادة والفعل، ألَا ترى أنه يقول: «فأبواه يهوِّدانه»؟ فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكومٌ له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله ﷺ: «يقول الله تعالى: إني خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم»، ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي، وحماد بن سلمة، وحُكِي عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: معنى الحديث: أن كل مولود يولد على فطرته؛ أي: على خلقته التي جُبِل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة، فكلٌّ
_________________
(١) الداء والدواء ص: ١٨٢.
(٢) أدب الدنيا والدين ١/ ١٢١.
[ ٢٠٤ ]
منهم صائرٌ في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعامل في الدنيا بالعمل المُشَاكِل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديَّين أو نصرانيَّين، فيحملانه لشقائه على اعتقاد دينهما، وقيل: معناه: أن كل مولودٍ يولد في مبدأ الخلقة على الفطرة؛ أي: على الجبلَّة السليمة والطبع المتهيِّئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمرَّ على لزومها؛ لأن هذا الدين موجودٌ حسنُه في العقول، وإنَّما يعدل عنه مَنْ يعدل إلى غيره؛ لآفةٍ من آفات النشوء والتقليد، فلو سَلِم من تلك الآفات لم يعتقد غيره" (^١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإن النفس خلقت بفطرتها تقتضي معرفة الله ومحبته. وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك. وهذا كله من فضل الله وإحسانه" (^٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فأخبر أنه فطر عباده على إقامة الوجه حنيفًا، وهي عبادة اللّه وحده لا شريك له، فهذه من الحركة الفطرية الطبيعية المستقيمة المعتدلة للقلب، وتركها ظلم عظيم اتَّبع أهلُه أهواءَهم بغير علم، ولا بُدَّ لهذه الفطرة والخلقة وهي صحة الخلقة من قوت وغذاء يمدُّها بنظير ما فيها مما فطرت عليه علمًا وعملًا؛ ولهذا كان تمام الدين بالفطرة المكمَّلة بالشريعة المنزَّلة، وهي مأدُبة الله كما قال النبي ﷺ في حديث ابن مسعود: «إنَّ كل آدبٍ يحبُّ أن تُؤتى مأدُبته، وإن مأدُبَة الله هي
_________________
(١) تفسير معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي. (الروم: ٣٠).
(٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ٣١٦.
[ ٢٠٥ ]
القرآن»، ومثله كماءٍ أنزله الله من السماء، كما جرى تمثيله بذلك في الكتاب والسُّنَّة، والمحرِّفون للفطرة المغيِّرون للقلب عن استقامته، هم ممرضون القلوبَ مسقمون لها، وقد أنزل الله كتابه شفاءً لما في الصدور " (^١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن صعب عليهم ترك الذنوب فاجتهد أن تحبب الله إليهم بذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كماله ونعوت جلاله، فإن القلوب مفطورة على محبته فإذا تعلقت بحبه هان عليها ترك الذنوب والاستقلال منها والإصرار عليها" (^٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإن الله فَطَرَ القلوب على قبول الحق والانقياد له والطمأنينة به، والسكون إليه ومحبته، وفطرها على بغض الكذب والباطل والنفور عنه والريبة به وعدم السكون إليه، ولو بقيت الفِطَر على حالها لما آثرت على الحقِّ سواه، ولما سكنت إلاَّ إليه، ولا اطمأنَّت إلا به، ولا أحبَّت غيره" (^٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلومًا بالفطرة السليمة والعقول الصحيحة، والعلم بقبحه أظهر من العلم بقبح سائر القبائح" (^٤).
_________________
(١) "مجموع الفتاوى": (١٠/ ١٤٦).
(٢) كتاب الفوائد ص: ١٦٩.
(٣) "مدارج السالكين": ٣/ ٤٧١.
(٤) "إغاثة اللهفان"؛ لابن القيم: ٢/ ٢٧١، ط دار إحياء الكتب العربية
[ ٢٠٦ ]
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١) ﵀: "معرفة الله والشهادة له بالتوحيد، وإثبات أسمائه وصفاته، ورسالة رسله، والبعث للجزاء مسطورة مثبتة في الفطرة" (^١).
- قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "فسدِّد وجهك واستمِرَّ على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم الذي هداك الله لها، وكمَّلها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره؛ كما تقدَّم عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢]، وفي الحديث: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم» (^٢).
- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "التوحيد فطرة الله التي فطر الناس عليها: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرُّوم: ٣٠]؛ " ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾؛ أي: انصبه ووجِّهه ﴿لِلدِّينِ﴾ الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان؛ بأن تتوجَّه بقلبك وقصدك وبدنك إلى إقامة شرائع الدين الظاهرة؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، ونحوها، وشرائعه الباطنة؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والإنابة، والإحسان في الشرائع الظاهرة والباطنة، بأن تعبد الله فيها كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك،
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٧٩٨.
(٢) "تفسير ابن كثير": (الروم: ٣٠).
[ ٢٠٧ ]
وخصَّ الله إقامة الوجه؛ لأن إقبال الوجه تبعٌ لإقبال القلب، ويترتَّب على الأمرين سعيُ البدن، ولهذا قال: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مُقْبِلًا على الله في ذلك، معرِضًا عمَّا سواه، وهذا الأمر الذي أمرناك به هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الرُّوم: ٣٠]، ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها. فإن جميع أحكام الشرع، الظاهرة والباطنة، قد وضع الله في قلوب الخلق كلهم الميلَ إليها، فوضع في قلوبهم محبة الحق وإيثار الحق، وهذه حقيقة الفِطَر، ومَن خرج عن هذا الأصل، فلِعارِضٍ عرض لفطرته أفسدها؛ كما قال النبي ﷺ: «كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه». ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا أحد يبدِّل خلق الله، فيجعل المخلوق على غير الوضع الذي وضعه الله ﴿ذَلِكَ﴾ الذي أمرناك به ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: الطريق المستقيم الموصل إلى الله، وإلى دار كرامته، فإنَّ مَنْ أقام وجهه للدين حنيفًا فإنه سالك الصراط المستقيم في جميع شرائعه وطرقه؛ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الرُّوم: ٣٠] فلا يتعرَّفون الدين القيم، وإن عرفوه لم يسلكوه" (^١).
- قال الشيخ صالح الفوزان: "والنفس بفطرتها إذا تُرِكت كانت مُقِرَّة لله بالإلهية، مُحبَّةً لله، تعبدُه لا تُشرك به شيئًا، ولكن يفسدها وينحرف بها عن ذلك ما يُزيِّنُ لها شياطين الإنس والجن بما يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا، فالتوحيد مركوزٌ في الفِطَر والشرك طارئ ودخيل عليها" (^٢).
_________________
(١) "تفسير السعدي": (الروم: ٣٠).
(٢) "كتاب التوحيد": ص ٧، وانظر: "مجموعة رسائل في التوحيد"، ص ٢١٧، ط دار العقيدة.
[ ٢٠٨ ]