- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "التوحيد والشرك ضدان، وكلما كان أحد الضدين أشرف وأكمل كان الضد الثاني أخس وأرذل، ولما كان التوحيد أشرف الأسماء كان الشرك أخس الأشياء، والآتي بأحد الضدين يكون تاركا للضد الثاني، فالآتي بالتوحيد الذي هو أفضل الأشياء يكون تاركا للشرك الذي هو أخس الأشياء وأرذلها، فلهذا المعنى وصف المصدقين بكونهم متقين" (^١).
- قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "إن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده، فكلما كان ضده شئيًا أخس، كان هو أشرف، ولا شك أن ضد علم الأصول هو الكفر والبدعة، وهما من أخس الأشياء، فوجب أن يكون علم الأصول من أشرف العلوم" (^٢).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ذنوب المشركين في نوعين: أمر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونهي عما لم ينه الله عنه كتحريم الطيبات. فالأول شرع من الدين لما لم يأذن الله به، والثاني تحريم لما لم يحرمه الله" (^٣).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "واعلم أنه إن لم يكن حسن التوحيد
_________________
(١) تفسير مفاتيح الغيب للرازي (سورة الزمر: الآية: ٣٣).
(٢) عجائب القرآن للرازي صـ ١٦.
(٣) جامع المسائل ٨/ ٤٥.
[ ٢٠٩ ]
وقبح الشرك معلومان بالعقل، مستقرا في الفطر، فلا وثوق بشيء من قضايا العقل، فإن هذه القضية من أجل القضايا البديهيات، وأوضح ما ركب الله في العقول والفطر، ولهذا يقول سبحانه عقيب تقرير ذلك أفلا تعقلون أفلا تذكرون وينفي العقل عن أهل الشرك، ويخبر عنهم بأنهم يعترفون في النار: أنهم لم يكونوا يسمعون ولا يعقلون، وأنهم خرجوا عن موجب السمع والعقل، وأخبر عنهم أنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البَقَرَةِ: ١٧١] وأخبر عنهم أن سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم لم تغن عنهم شيئا، وهذا إنما يكون في حق من خرج عن موجب العقل الصريح والفطرة الصحيحة، ولو لم يكن في صريح العقل ما يدل على ذلك لم يكن في قوله تعالى " انظروا " و" اعتبروا " و" سيروا في الأرض فانظروا " فائدة، فإنهم يقولون: عقولنا لا تدل على ذلك، وإنما هو مجرد إخبارك، فما هذا النظر والتفكر والاعتبار والسير في الأرض؟ وما هذه الأمثال المضروبة، والأقيسة العقلية والشواهد العيانية؟ أفليس في ذلك أظهر دليل على حسن التوحيد والشكر؟
وقبح الشرك والكفر مستقر في العقول والفطر، معلوم لمن كان له قلب حي، وعقل سليم، وفطرة صحيحة؟ قال تعالى ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [الزُّمَر: ٢٧] وقال تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العَنكَبُوت: ٤٣] وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧] وقال تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ
[ ٢١٠ ]
بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحَج: ٤٦] " (^١).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات؛ لم تطهر النار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثًا كما كان، كالكلب إذا دخل البحر، ثم خرج منه، فلذلك حرم الله تعالى على المشرك الجنة" (^٢).
- قال ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) ﵀: "واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود" (^٣).
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٤٥٥. وقال ابن القيم في مدارج السالكين (٣/ ٤٥٤) ما نصه: "وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة من كتاب مفتاح دار السعادة وذكرنا هناك نحوا من ستين وجها، تبطل قول من نفى القبح العقلي".
(٢) زاد المعاد ١/ ٦٨.
(٣) مقدمة ابن خلدون ص ٦٨٨.
[ ٢١١ ]