عَنِ ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قَالَ: "الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ ﷿، وَآمَنَ بِالْقَدَرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، نَقْضَ التَّوْحِيدَ" (^٢).
- قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "فإن قيل: ما معنى قول النبى ﷺ للذى رفع صوته بلا إله إلا الله، «ألا أدلك على كنز الجنة». فقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله تغنى عن غيرها، وهى المنجية من النار؟» (^٣)، فالجواب: أن النبى ﷺ كان معلما لأمته، وكان
_________________
(١) منهم من صنف فيها وسمى كتابه باسمها مثل كتاب آية الحقوق العشرة من تأليف الدكتور عقيل عبد الرحمن العقيل وكتاب آية الحقوق العشرة من تأليف سليمان ابراهيم اللاحم.
(٢) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، تحت رقم (٩٢٥، ٩٢٨)، القدر للفريابي تحت رقم (٢٠٥)، والشريعة للآجري صـ ١٩٧، وابن بطة في: الإبانة تحت رقم (١٦١٨، ١٦١٩)، وشرح اعتقاد أهل السنة للالكائي تحت رقم (١١١٢ - ١٢٢٤). ويتقوى بتعدد الطرق إلى الحسن لغيره.
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (١١٣٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٥)، وأحمد (٢١٢٩٨) باختلاف يسير، والكلاباذي في «بحر الفوائد» (ص ٢٨٦) واللفظ له.
[ ٢٢٢ ]
لا يراهم على حالة من الخير، إلا أحب لهم الزيادة عليها فأحب للذى رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردفها بالتبرؤ من الحول والقوة لله تعالى وإلقاء القدرة إليه، فيكون قد جمع مع التوحيد الإيمان بالقدر" (^١).
- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا بد من الإيمان بالقدر فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس ﵄: هو نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض توحيده" (^٢).
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد قال ابن عباس ﵄: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد" (^٣) ـ
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الإيمان بالقدر أصل الإيمان بالأمر وهو نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه إيمانه" (^٤) ـ
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والذي دل عليه قول ابن مسعود ﵁، وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد؛ إثبات فعل العبد الاختياري، الذي هو نظام الأمر
_________________
(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال ١٠/ ١٣٩.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ١١٣.
(٣) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ٦٥).
(٤) روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: ٦١).
[ ٢٢٣ ]
والنهي، وهو متعلق المدح والذم والثواب والعقاب والله أعلم" (^١) ـ
- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة:
الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد.
والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع.
فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر؛ فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد، أو القدح بإثباته في أصل الشرع، ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر.
وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي ﷺ شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله: «أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (^٢). وإن العاجز من لم يتسع للأمرين" (^٣) ـ
- قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "الإيمان بالقدر نظام
_________________
(١) حاشيته على تهذيب السنن (٦/ ١٠٥).
(٢) رواه مسلم (٢٦٦٤).
(٣) شفاء العليل ١/ ٢٦.
[ ٢٢٤ ]
التوحيد كما أن الإيمان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره هي نظام الشرع، ولا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال لمن قال له: "أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (^١)، فمن نفى القدر زاعما منافاته للشرع فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته وجعل العبد مستقلا بأفعالهخالقا لها، فأثبت مع الله تعالى خالقا، بل أثبت أن (جميع المخلوقين خالقون)، ومن أثبته محتجا به على الشرع محاربا له به نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها وكلفه بحسبها زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطاق، كتكليف الأعمى بنقط المصحف، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم وكان إمامه في ذلك إبليس لعنه الله تعالى إذ يقول: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ [الأَعْرَاف: ١٦] وأما المؤمنون حقا فيؤمنون بالقدر خيره وشره وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع أمره ونهيه ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا، والهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ [النَّجْم: ٣٠] وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع فعلا وتركا على القدر، وإنما يعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، فإذا وفقوا لحسنه عرفوا الحق لأهله فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧).
[ ٢٢٥ ]
لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٣] ولم يقولوا كما قال الفاجر: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القَصَص: ٧٨] وإذا اقترفوا سيئة قالوا كما قال الأبوان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأَعْرَاف: ٢٣] ولم يقولوا كقول الشيطان الرجيم: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجْر: ٣٩] وإذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٦]، ولم يقولوا كما قال الذين كفروا: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾ [ال عِمْرَان: ١٥٦] " (^١).
_________________
(١) أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة صـ ٩١ - ٩٢.
[ ٢٢٦ ]