فصل
الْحَوَادِث كلهَا تقع مُرَادة لله تَعَالَى نَفعهَا وضرها وَخَيرهَا وشرها
وَذَهَبت الْمُعْتَزلَة وَمن تَبِعَهُمْ من أهل الْأَهْوَاء إِلَى أَن الْوَاجِبَات والمندوبات من الطَّاعَات مُرَادة لله تَعَالَى وَقعت أَو لم تقع
والمعاصي وَالْفَوَاحِش تقع وَالله تَعَالَى كَارِه لَهَا غير مُرِيد لوقوعها وَهِي تقع على كره
والمباحات وَمَا لَا يدْخل تَحت التَّكْلِيف من أَفعَال الْبَهَائِم والمجانين تقع وَهُوَ لَا يريدها وَلَا يكرهها
وَإِذا دللنا على أَن الرب ﷾ خَالق لجَمِيع الْحَوَادِث فيترتب على ذَلِك أَنه مُرِيد لما خلق قَاصد إِلَى إبداع مَا اخترع
[ ١١٠ ]
ثمَّ نقُول
قد قَضَت الْعُقُول بِأَن قُصُور الْإِرَادَة وَعدم نُفُوذ الْمَشِيئَة من أصدق الأمارات الدَّالَّة على سمات النَّقْص والاتصاف بِالْعَجزِ والقصور
وَمن ترشح للْملك ثمَّ كَانَ لَا ينفذ مُرَاده فِي أهل مَمْلَكَته عد ضَعِيف الْمِنَّة ومضاع الفرصة
فَإِذا كَانَ ذكل يزري على من ترشح للْملك فَكيف يجوز ذَلِك فِي صفة ملك الْمُلُوك وَرب الأرباب
فَإِن قَالُوا
الرب ﷾ قَادر على أَن يرد الْخَلَائق إِلَى طَاعَته قهرا وقسرا وَيظْهر آيَة تظل رِقَاب الْجَبَابِرَة لَهَا خاضعة
[ ١١١ ]
قُلْنَا
من فَاسد أصلكم أَنه لَا يجوز فِي حكمه إِجْبَار الْخَلَائق على الطَّاعَات واضطرارهم إِلَى الْخيرَات وَلَا يُرِيد مِنْهُم الْإِيمَان إجبارا وَإِنَّمَا يُريدهُ مِنْهُم اخْتِيَارا فَمَا يُريدهُ لَا يقدر عَلَيْهِ وَمَا لَا يقدر عَلَيْهِ لَا يُريدهُ
وَقد أجمع سلف الْأمة وَخَلفهَا على كلمة لَا يجحدها معتز إِلَى الْإِسْلَام وَهِي قَوْلهم ﴿مَا شَاءَ الله كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن﴾
والآيات الشاهدة لأهل الْحق لَا تحصى كَثْرَة
وَمِنْهَا
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى﴾ ١٢٠ ظ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى
﴿فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا﴾
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى
﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة﴾ إِلَى آخر الْآيَة
[ ١١٢ ]
فَإِن احْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر﴾
فَالْجَوَاب أَن نقُول
أَرَادَ الله تَعَالَى بالعباد الموفقين لطاعته المخلصين لعبادته وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله﴾
وَإِنَّمَا أَرَادَ الْأَوْلِيَاء الأتقياء من الْعباد الَّذين لم يرد لَهُم الرب الْكفْر لم يكفروا
وَرُبمَا يحتجون بقوله تَعَالَى
﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ إِلَى قَوْله ( ﴿حَتَّى ذاقوا بأسنا﴾)
وَوجه الدَّلِيل من الْآيَة أَن الله رد على الْكفَّار قَوْلهم
﴿لَو شَاءَ الله مَا أشركنا﴾
[ ١١٣ ]
فَالْجَوَاب أَن نقُول
الله تَعَالَى إِنَّمَا رد عَلَيْهِم لأَنهم قَالُوا مَا قَالُوهُ مستهزئين مِمَّا رَاه فِي الْحق وردا لحجة الله تَعَالَى
وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى فِي آخر الْآيَة
﴿قل هَل عنْدكُمْ من علم فتخرجوه لنا إِن تتبعون إِلَّا الظَّن وَإِن أَنْتُم إِلَّا تخرصون قل فَللَّه الْحجَّة الْبَالِغَة فَلَو شَاءَ لهداكم أَجْمَعِينَ﴾
[ ١١٤ ]