اعلموا وفقكم الله أَن الأولى تَقْدِيم عِبَارَات اصْطلحَ الموحدون عَلَيْهَا ابْتِغَاء مِنْهُم لجمع الْمعَانِي الْكَثِيرَة فِي الْأَلْفَاظ الوجيزة
فَمَا أَطْلقُوهُ الْعَالم فَإِن قيل مَا الْعَالم وَلم سمي الْعَالم عَالما
قُلْنَا الْعَالم عِنْد سلف الْأمة عبارَة عَن كل مَوْجُود سوى الله تَعَالَى
وَعند خلف الْأمة عبارَة عَن الْجَوْهَر والأعراض
فَأَما قَوْله لم سمي الْعَالم عَالما
فَأَما الْعَالم فمشتق من الْعلم والعلامة
وَإِنَّمَا سمي الْعلم علما لِأَنَّهُ أَمارَة مَنْصُوبَة على وجود صَاحب الْعلم
[ ٨٦ ]
فَكَذَلِك الْعَالم بجواهره وأعراضه وأجزائه وأبعاضه دلَالَة دَالَّة على وجود الرب ﷾
فَإِن قيل مَا حد الْجَوْهَر وَمَا حَقِيقَة الْعرض
قُلْنَا الْجَوْهَر قد ذكرت لَهُ حدودا شَتَّى غير أَنا نقتصر على ثَلَاثَة مِنْهَا فَنَقُول الْجَوْهَر المتحيز
وَقيل الْجَوْهَر مَاله حجم
وَقيل الْجَوْهَر مَا يقبل الْعرض
فَأَما الْعرض فقد قيل مَا يقوم بالجوهر
وَقيل مَا يطْرَأ على الْجَوَاهِر كالألوان والطعوم والروائح والعلوم وَالْقدر والإرادات الْحَادِثَة وأضدادها والحياة وَالْمَوْت
وَقيل الْعرض مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ الْبَقَاء
ثمَّ أعلم أَن الْمَوْجُود يَنْقَسِم إِلَى قديم وحادث
فالقديم هُوَ الْمَوْجُود الَّذِي لَا أول لوُجُوده
والحادث هُوَ الْمَوْجُود الَّذِي لَهُ أول
فَإِن قيل مَا الدَّلِيل على حُدُوث الْعَالم
قُلْنَا الدَّلِيل عَلَيْهِ أَن أجرام الْعَالم وأجسامها لَا تَخْلُو عَن الْأَعْرَاض الْحَادِثَة وَمَا لَا يَخْلُو عَن الْحَادِث حَادث
[ ٨٧ ]
السُّؤَال على هَذَا الْكَلَام من أَرْبَعَة أوجه
الأول لَا نسلم ثُبُوت الْأَعْرَاض
وَلَئِن سلمنَا ثُبُوت الْأَعْرَاض فَلَا نسلم حدوثها
وَلَئِن سلمنَا حدوثها فَلَا نسلم اسْتِحَالَة خلو الْجَوْهَر عَن هَذِه الْأَعْرَاض الْحَادِثَة
وَالرَّابِع لم قلت إِن مَا لَا يَخْلُو عَن الْحَادِث حَادث
أما السُّؤَال الأول إِنْكَار ثُبُوت الْأَعْرَاض
الدَّلِيل على ثُبُوت الْأَعْرَاض أَن الْعَاقِل إِذا رأى جوهرا سَاكِنا ثمَّ رَآهُ متحركا فقد أدْرك التَّفْرِقَة الضرورية ١١٨ وَبَين هَاتين الْحَالَتَيْنِ
وَتلك التَّفْرِقَة لَا تَخْلُو
إِمَّا أَن ترجع إِلَى ذَات الْجَوْهَر
أَو إِلَى معنى زَائِد على الْجَوْهَر
اسْتَحَالَ أَن يُقَال ترجع التَّفْرِقَة إِلَى ذَات الْجَوْهَر لِأَن الْجَوْهَر فِي الْحَالَتَيْنِ مُتحد وَالشَّيْء لَا يُخَالف نَفسه فَلَا يَقع الِافْتِرَاق إِلَّا بَين ذاتين فصح ووضح بذلك أَن التَّفْرِقَة رَاجِعَة إِلَى معنى زَائِد على الْجَوْهَر وَذَلِكَ هُوَ الْعرض الَّذِي ادعيناه
[ ٨٨ ]
وَالسُّؤَال الثَّانِي منع حُدُوث الْأَعْرَاض
وَالدَّلِيل على حُدُوث الْأَعْرَاض أَنا نرى الْأَعْرَاض المتضادة تتعاقب على محالها فنستيقن حُدُوث الطَّارِئ مِنْهَا من حَيْثُ وجدت ونعلم حُدُوث السَّابِق مِنْهَا من حَيْثُ عدمت
إِذْ لَو كَانَت قديمَة لاستحال عدمهَا لِأَن الْقدَم يُنَافِي الْعَدَم وَإِن مَا ثَبت لَهُ الْقدَم اسْتَحَالَ عَلَيْهِ الْعَدَم
وَالدَّلِيل على اسْتِحَالَة تعري الْجَوَاهِر عَن الْأَعْرَاض
أَن الْجَوَاهِر شاغلة للأحياز والجواهر الشاغلة للأحياز غير مجتمعة وَلَا مفترقة بِحَال بل باضطرار يعلم أَنَّهَا لَا تَخْلُو عَن كَونهَا مجتمعة أَو مفترقة
وَذَلِكَ يقْضِي باستحالة خلوها عَن الِاجْتِمَاع والافتراق
وَكَذَلِكَ نعلم ببديهة الْعُقُول اسْتِحَالَة تعري الأجرام عَن الاتصاف بالتحرك والسكون واللبث فِي الْمحَال والزوال والانتقال
وكل ذَلِك يُوضح اسْتِحَالَة تعري الْجَوَاهِر عَن الْأَعْرَاض
[ ٨٩ ]
وَالدَّلِيل على اسْتِحَالَة حوادث لَا أول لَهَا
أَن حَقِيقَة الْحَادِث مَاله أول
وَإِذن كَانَ حَقِيقَة كل حَادث أَن يكون لَهُ أول فَبَان كَثْرَة الْحَوَادِث لَا تخرج عَن حَقِيقَتهَا فَيكون للْكُلّ أول
وَهَذَا كالجوهر فَإِن حَقِيقَة الْجَوْهَر كَونه متحيزا فبالكثرة لَا يخرج عَن حَقِيقَته وَيكون الْكل متحيزا فَكَذَلِك هَهُنَا إِذا ثبتَتْ الْأَعْرَاض وَثَبت حدوثها وَثَبت اسْتِحَالَة تعري الْجَوَاهِر عَنْهَا وَبَطل قَول الدهري بِأَن الْحَوَادِث لَا أول لَهَا فيترتب على ذَلِك أَن الْجَوَاهِر لَا تسبق الْأَعْرَاض الْحَادِثَة وَمَا لَا يسْبق الْحَادِث حَادث على الِاضْطِرَار من غير حَاجَة إِلَى نظر وافتكار
وَالدَّلِيل على أَن الْعَالم لَهُ صانع
[ ٩٠ ]
أَنه قد صَحَّ حُدُوث الْعَالم بِالدّلَالَةِ الَّتِي ذَكرنَاهَا
والحادث جَائِز الْوُجُود إِذا يجوز تَقْدِير وجوده بَدَلا عَن عَدمه وَيجوز تَقْدِير عَدمه بَدَلا عَن وجوده فَلَمَّا اخْتصَّ بالوجود الْمُمكن بَدَلا عَن الْعَدَم الْجَائِز افْتقر إِلَى مُخَصص وَهُوَ الصَّانِع تَعَالَى
ويستحيل أَن يكون مُخَصص الْعَالم طبيعة كَمَا صَار إِلَيْهِ الطائعيون
ويستحيل أَن يكون عِلّة مُوجبَة كَمَا صَار إِلَيْهِ الْأَوَائِل لِأَن تِلْكَ الطبيعة لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون قديمَة أَو حَادِثَة
فَإِن كَانَت قديمَة لزم قدم آثارها فَإِن الطبيعة عِنْد مثبتها لَا اخْتِيَار لَهَا وَهِي مُوجبَة آثارها عِنْد ارْتِفَاع الْمَوَانِع وَقد صَحَّ حدوثها
[ ٩١ ]
وَإِن كَانَت الطبيعة حَادِثَة افْتَقَرت إِلَى طبيعة أُخْرَى ثمَّ الْكَلَام فِي تِلْكَ الطبيعة كَالْكَلَامِ فِي تِلْكَ الطبيعة كَالْكَلَامِ فِي هَذِه الطبيعة
وينساق هَذَا القَوْل إِلَى إِثْبَات حوادث لَا أول لَهَا وَقد تبين بطلَان ذَلِك
فوضح بذلك أَن مُخَصص الْعَالم صانع مُخْتَار مَوْصُوف بالاقتدار وَالِاخْتِيَار
[ ٩٢ ]