مَذْهَب أهل الْحق أَن الْبَارِي تَعَالَى مرئي وَيجوز أَن يرَاهُ الراؤون بالأبصار
وَذهب الْمُعْتَزلَة إِلَى أَنه ﷾ يَسْتَحِيل أَن يرى
وَصَارَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُم إِلَى أَن الْبَارِي تَعَالَى لَا يرى نَفسه
وَالدَّلِيل على جَوَاز الرُّؤْيَة عقلا أَن الرب ﷾ مَوْجُود وكل مَوْجُود مرئي
وَبَيَان ذَلِك
أَنا نرى الْجَوَاهِر والألوان شَاهدا
[ ١١٥ ]
فَإِن رئي الْجَوْهَر لكَونه جوهرا لزم أَلا يرى الْجَوْهَر
وَإِن رئيا لوجودهما لزم أَن يرى كل مَوْجُود
والباري ﷾ مَوْجُود فصح أَن يرى
فَإِن قَالُوا
إِنَّمَا يرى مَا يرى لحدوثه والرب تَعَالَى أزلي قديم الذَّات فَلَا يرى
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن نقُول
كلامكم هَذَا نقض عَلَيْكُم لجَوَاز رُؤْيَة الطعوم والروائح والعلوم وخوها فَإِنَّهَا حوادث وعندكم يَسْتَحِيل أَن نرى
ثمَّ الْجَواب الْحَقِيقِيّ أَن نقُول
[ ١١٦ ]
ثمَّ الْحُدُوث يُنبئ عَن مَوْجُود مَسْبُوق بِعَدَمِ والعدم السَّابِق لَا يصحح الرُّؤْيَة فانحصر التَّصْحِيح فِي الْوُجُود
فَدلَّ على أَن كل مَوْجُود صَحَّ أَن يرى
ويستدل على جَوَاز الرُّؤْيَة وَأَنَّهَا سَتَكُون فِي الْجنان وَعدا من الله صدقا وقولا مِنْهُ حَقًا بقوله تَعَالَى
﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾
وَالنَّظَر إِذا عدي ب إِلَى اقْتضى رُؤْيَة الْبَصَر
فَإِن عارضونا بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾
قُلْنَا فَمن أَصْحَابنَا من قَالَ
الرب تَعَالَى يرى وَلَا يدْرك فَإِن الْإِدْرَاك يُنبئ عَن
[ ١١٧ ]
الْإِحَاطَة ودرك الْغَايَة والرب تَعَالَى مقدس عَن الْغَايَة وَالنِّهَايَة
فَإِن عارضونا بقوله تَعَالَى فِي جَوَاب مُوسَى ﵇ ﴿لن تراني﴾
فزعموا أَن لن يَقْتَضِي النَّفْي على التأييد
قُلْنَا
هَذِه الْآيَة من أوضح الْأَدِلَّة على جَوَاز الرُّؤْيَة فَإِنَّهَا لَو كَانَت مستحيلة لَكَانَ مُعْتَقد جَوَازهَا ضَالًّا أَو كَافِرًا
وَكَيف يعْتَقد ١٢١ وومالا يجوز على الله تَعَالَى من اصطفاه الله تَعَالَى لرسالته واجتباه لنبوته وخصصه بتكريمه وشرفه بتكليمه وَجعله أفضل أهل زَمَانه وأيده ببرهانه
وَيجوز على الْأَنْبِيَاء الريب فِي أَمر يتَعَلَّق بِعلم الْغَيْب أما مَا يتَعَلَّق بِوَصْف الْبَارِي عز وَعلا فَلَا يجوز الريب عَلَيْهِم
[ ١١٨ ]
فَيجب حمل الْآيَة على أَن مَا اعْتقد مُوسَى ﵇ جَوَازه جَائِز لَكِن ظن أَن مَا اعْتقد جَوَازه يجِيبه إِلَيْهِ ناجزا فَيرجع النَّفْي فِي الْجَواب إِلَى السُّؤَال
وَمَا سَأَلَ مُوسَى ﵇ ربه رُؤْيَة فِي الدُّنْيَا لينصرف النَّفْي إِلَيْهَا وَالْجَوَاب نزل على قَضِيَّة الْخطاب
[ ١١٩ ]