وقال في موضع آخر من شرح البخاري أيضًا: "قوله -ﷺ-: "ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" حمله بعض الأئمة على مجاز الحذف -أي يأمر من ينادي فأستبعده بعض من أثبت الصوت بأن في قوله: "يسمعه من بعد" إشارة إلى أنه ليس من المخلوق لأنه لم يعهد مثل هذا فيهم. وبأن الملائكة إذا سمعوه صعقوا، وإذا سمع بعضهم بعضًا لم يصعقوا.
قال: فعلى هذا فصوته صفة من صفات ذاته، لا يشبه صوت غيره إذ ليس يوجد شيء من صفاته في صفات المخلوقين.
قال: وهكذا قرره المصنف يعني الإمام البخاري ما في كتاب خلق أفعال العباد (١).
فمن أحاديث اثبات الصوت ما روى جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: خرجت إلى الشام إلى عبد اللَّه بن أنيس الأنصاري ﵁ فقال عبد اللَّه بن أنيس: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "يحشر اللَّه العباد أو قال الناس وأوما بيده إلى الشام عراة غرلا (٢) بهما قال قلت ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل النار وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة قلنا كيف وإنما نأتي اللَّه حفاة عراة غرلا، قال بالحسنات والسيئات" أخرج أصله البخاري فى صحيحه تعليقا مستشهدًا به إلى قوله: "أنا الملك أنا الديان" (٣).
_________________
(١) فتح الباري (١٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، ولوامع الأنوار (١/ ١٤٠ - ١٤١)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٥٤ - ٥٥)، وكلام الحافظ ابن حجر في نفس الحديث.
(٢) غرلا: جمع أغرل: الأقلف: وهو الذي لم يختن. النهاية (٣/ ٣٦٢).
(٣) الحديث رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٩٥)؛ والبخاري في خلق أفعال العباد رقم (٤٦٣)؛ =
[ ١ / ٢٤١ ]
وأخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي (١)، والطبراني (٢).
وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي (٣) بسنده إلى جابر ﵁ قال: بلغني أن للنبي -ﷺ- حديثا في القصاص قال وكان صاحب الحديث بمصر فاشتريت بعيرًا فشددت عليه رحلا، وسرت حتى وردت مصر فمضيت إلى باب الرجل الذي بلغني عنه الحديث، فقرعت بابه فخرج إليه مملوكه فنظر في وجهي ولم يكلمني، فدخل إلى سيده، فقال أعرابي، فقال سله من أنت؟
_________________
(١) = وفي الأدب المفرد رقم (٩٧٠) (ص ٣٣٧)؛ وفي الصحيح مختصرًا ومعلقًا في التوحيد في باب قول اللَّه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (١٣/ ٤٦٥). وأخرجه الحاكم في موضعين (٢/ ٤٣٧، ٤/ ٥٧٤ - ٥٧٥)؛ والبيهقي في الأسماء (ص ٣٤٦)؛ والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (ص ٣١ - ٣٢)؛ وفي الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٢٢٣)، والطبراني في الكبير؛ وفي الأوسط كما في مجمع الزوائد (١/ ١٣٣) (١٠/ ٣٤٥ - ٣٤٦، ٣٥١)؛ وابن عبد البر في جامع بيان العلم (١/ ٩٣). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في الموضعين وحسنه المنذري في الترغيب (٤/ ٣٧٣)، وكذا الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥١) وابن القيم في الصواعق المرسلة المختصر (٢/ ٢٨٠).
(٢) أبو يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى التميمي الموصلي أبو يعلى من علماء الحديث الحفاظ الثقات له كتب منها: المعجم في شيوخه طبع، والمسند الكبير والصغير طغ في ثلاث عشر مجلدا، مات سنة سبع وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٧٤)؛ والأعلام (١/ ١٧١).
(٣) الطبراني تقدم (١/ ١٤٦).
(٤) ضياء الدين المقدسي: محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن ابن اسماعيل ضياء الدين أبو عبد اللَّه السعدي المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي محدث حافظ ورع صاحب تصانيف ورحلة واسعة في طلب العلم، توفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣٦)، وسير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٢٦).
[ ١ / ٢٤٢ ]
فقال جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، فخرج إلى مولاه، فلما ترائينا اعتنق أحدنا صاحبه فقال: يا جابر ما جئت تعرف فقلت حديث بلغني عن النبي -ﷺ- في القصاص ولا أظن أحدًا ممن مضى وممن بقي أحفظ له منك قال: نعم يا جابر سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول إن اللَّه تعالى يبعثكم يوم القيامة من قبوركم حفاة عراة غرلا بهما ثم ينادي بصوت رفيع غير فظيع يسمعه من بعد كمن قرب أنا الديان لا تظالم اليوم أما وعزتي لا يجاورني اليوم ظالم، ولو لطمة بكف أو يد على يد ألا وأنَّ أشد ما أتخوف على أمتي من بعدى عمل قوم لوط فلترتقب أمتي العذاب إذا تكافأ النساء بالنساء والرجال بالرجال" (١) ورواه عبد الحق الأشبيلي (٢) من طريق الحارث (٣) ابن أبي أسامه ومن مسنده نقله وخرجه علي بن معبد البغوي (٤) المالكي وغيره.
وفي حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه تعالى
_________________
(١) رواه عبد الحق الأشبيلي في العاقبة فى ذكر الموت والآخرة (ص ٣٠٦)؛ من مسند الحارث بن أبي أسامة بالرواية الأولى التي سبقت قبل قليل، وهذه الرواية أخرجها الضياء المقدسى في "المختارة" كما في شرح الكوكب المنير (٢/ ٦٤ - ٦٥)؛ وانظر فتح الباري (١/ ٢٠٩)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٤١ - ١٤٢).
(٢) عبد الحق الأشبيلي: عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن الحسين بن سعيد الأزدي الأندلسي الأشبيلي أبو محمد المعروف في زمانه بابن الخراط، كان فقيهًا حافظًا عالمًا بالحديث وعلله عارفًا بالرجال موصوفًا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة، صنف التصانيف منها: الأحكام الكبرى، والصغرى وغيرها، مات سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. سير أعلام النبلاء (٢١/ ١٩٨)؛ وبغية المتلمس للضبي (ص ٣٩١).
(٣) الحارث بن محمد بن أبي أسامة واسم أبي أسامة داهر محدث حافظ صدوق، صاحب المسند المشهور، مات سنة اثنتين وثمانين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٨٨).
(٤) علي بن معبد البغوي لم أجده.
[ ١ / ٢٤٣ ]
إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبريل: ماذا قال ربك؟ "يقول" الحق. فينادون الحق الحق".
أخرجه أبو داود (١) ورواته ثقات.
ونحوه من حديث أبي هريرة رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة (٢).
وكذا رواه الإمام أحمد ورواه ابنه عبد اللَّه قال: وسألت أبي فقلت يا أبي الجهمية يزعمون أن اللَّه لا يتكلم بصوت، فقال: كذبوا إنما يدورون على التعطيل.
ثم روى الإمام أحمد بسنده إلى ابن مسعود ﵁ قال: إذا تكلم اللَّه بالوحي سمع صوته أهل السماء (٣).
_________________
(١) رواه أبو داود في السنة رقم (٤٧٣٨)؛ وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٣٥٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٦٢ - ٢٦٣)، وقال الألباني في الصحيحة رقم (١٢٩٣) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) رواه البخاري في المسير (٨/ ٣٩٨) في تفسير سورة سبأ، باب "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير"؛ وفي تفسير سورة الحجر باب قوله: "إلا من استرق السمع" (٨/ ٢٣١)؛ وفي التوحيد رقم (٧٤٨١) باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾؛ والترمذي في التفسير رقم (٣٢٢٣) باب ومن سورة سبأ؛ وابن ماجة في المقدمة (١/ ٦٩ - ٧٠) رقم (١٩٤).
(٣) أخرجه أحمد رواه عنه ابنه عبد اللَّه في السنة رقم (٥٣٦) موقوفًا على ابن مسعود وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٤٤ ]
قال السجزي: (١) وما في رواة هذا الخبر إلا إمام مقبول انتهى.
وتتمة الخبر: فيخرون سجدًا حتى إذا فزع عن قلوبهم قال سكن عن قلوبهم قال أهل السماء: ماذا قال ربكم، قالوا الحق قال كذا وكذا.
قال الإمام القاضي أبو الحسين (٢) وغيره ومثل هذا لا يقوله ابن مسعود ﵁ إلا توقيفًا لأنه إثبات صفة للذات (٣).
وقد روي في إثبات الحرف والصوت ما يزيد على أربعين حديثًا بعضها صحاح وبعضها حسان يحتج بها (٤) أخرجها الإمام الحافظ ضياء الدين المقدسي (٥) وغيره.
وأخرج سيدنا الإمام أحمد غالبها، واحتج به وذكر الحافظ بن حجر غالبها في شرح البخاري، واحتج بها البخاري وغيره من أئمة أهل السنة والحديث على أن اللَّه تعالى وتقدس يتكلم بحرف وصوت.
_________________
(١) السجزي: جاء في المخطوطتين السنجري والمثبت من المصادر فهو عبيد اللَّه بن سعيد "أبو نصر السجزي" تقدمت ترجمته (١/ ٢١٧).
(٢) هو: محمد بن محمد بن الحسين القاضي الشهيد أبو الحسين صاحب طبقات الحنابلة ابن القاضي أبي يعلى الفراء كان عارفًا بالمذهب متشددًا في السنة، وكان فقيهًا مناظرًا له تصانيف كثيرة، توفى سنة ٥٢٦ هـ. انظر: ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٧٦)؛ وشذرات الذهب (٤/ ١٧٩).
(٣) انظر: هذه النصوص في شرح الكوكب المنير (٢/ ٦٨ - ٦٩)؛ وفي لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ١٤٢ - ١٤٣)؛ وفي شرح الكافية الشافية لابن عيسى (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، وفي البرهان في بيان القرآن لابن قدامة (ص ٢٧٠ - ٢٧٢).
(٤) انظر: شرح الكوكب المنير (٢/ ٧٩).
(٥) تقدم (١/ ٢٤٢).
[ ١ / ٢٤٥ ]