وإسفراين بلدة بخراسان من نواحي نيسابور على منتصف الطريق إلى جرجان (١) ﵀ ورضي عنه.
و"لا" ناهية (تك) مجزومًا بها وحذفت النون تخفيفًا (في القرآن) العظيم والذكر الحكيم: (بالوقف قائلا): بأن تقول: أنا لا أقول القرآن قديم (٢) ولا مخلوق.
قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: الواقفة: هم الذين يقولون: القرآن كلام اللَّه ولا يقولون غير مخلوق، قال: وهم من شر الأصناف وأخبثها (٣) انتهى.
وقوله رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه: (كما قال أتباع) أي نوع من أتباع الجهم بن صفوان الذي نسبت إليه مقالة الجهمية. وإن كان إنما أخذ المقالة المذكورة عن الجعد بن درهم الذي ضحى عليه خالد القسري كما تقدم.
قال شيخ الإسلام بن تيمية روح اللَّه روحه في "الرسالة الحموية" (٤) أصل مقالة تعطيل الصفات إنما أخذ من تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين فإنه أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم ابن صفوان وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه.
وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي
_________________
(١) نفس المصدر.
(٢) انظر ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) حول تسمية القرآن بالقديم.
(٣) انظر السنة لعبد اللَّه بن أحمد (١/ ١٧٩)؛ والسنة للإمام أحمد (ص ١٩ - ٢٠).
(٤) الفتوى الحموية الكبرى (ص ٩٨) ضمن مجموع النفائس.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الساحر الذي سحر النبي -ﷺ- (١).
وكان الجعد هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم، والنمرود هو ملك الصابئة الكذابين المشركين كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك القبط الكفار، وقيصر ملك الروم، فهو اسم جنس لا اسم علم وكانت الصابئة إلا قليلا منهم إذ ذاك على الشرك وعلماؤهم الفلاسفة. وإن كان الصابيء قد لا يكون مشركا، بل قد يكون مؤمنًا باللَّه واليوم الآخر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢].
لكن كثيرًا منهم، أو أكثرهم كانوا كفارًا ومشركين، فأولئك الصابئون كانوا إذ ذاك، وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل فمذهب (٢) النفاة من هؤلاء في الرب سبحانه: أنه ليس له إلا صفات سلبية، أو اضافية، أو مركبة منهما، وهم الذين بعث إبراهيم خليل الرحمن ﵊ إليهم فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة وأخذها الجهم عنه، وأخذ المقالة الجهم أيضًا فيما ذكره سيدنا الإمام أحمد ﵁ وغيره من السمنية وهم بعض فلاسفة الهند، وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات، فهذه أسانيد الجهم ترجع إلى اليهود والنصارى والصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين، إما من الصابئين، وإما من المشركين، ثم لما عربت الكتب الرومية كما تقدم الإشارة إليه زاد البلاء مع ما ألقى
_________________
(١) انظر مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥٠ - ٥١)، والبداية (٩/ ٣٥٠)؛ والوافي بالوفيات (١١/ ٨٦ - ٨٧)؛ سرح العيون (ص ٢٩٣ - ٢٩٤).
(٢) في "ظ": فيذهب.
[ ١ / ٢٣٠ ]
الشيطان في قلوب الضلال ابتداء من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.
وفي حدود المائة الثانية انتشرت هذه المقالة التي يسميها السلف مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل: مالك، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والفضيل بن عياض، وبشر الحافي ﵃ وغيرهم في هؤلاء في ذمهم وتضليلهم مشهور معلوم (١).
فقول الناظم رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه (كما قال أتباع لجهم وأسمحوا) يعني إن الواقفية من فرق الجهمية.
وأما الجهمية المحضة من جهم وأتباعه المختصين به الذاهبين مذهبه فصرحوا بالقول بخلق القرآن.
قال سيدنا الإمام أحمد ﵁ في كتاب السنة: "الجهمية هم أعداء اللَّه فهم الذين يزعمون أن القرآن مخلوق، وأن اللَّه تعالى لم يكلم موسى ﵇، وأن اللَّه تعالى لم يتكلم، وأنه تعالى لا يرى في الآخرة، ويقولون: ليس للَّه عرش ولا كرسي، قال: ويقولون كلامًا كثيرًا أكره حكايته.
قال: وهم كفار" (٢) انتهى.
ومعنى قوله: "وأسمحوا" أي جادوا بالقول بخلق القرآن ولانوا. يقال: سمح ككره سماحًا وسماحة جاد وكرم كأسمح فهو سمح وأسمحت قرونته ذلت نفسه والدابة لانت بعد استصعاب (٣).
_________________
(١) نهاية كلام ابن تيمية. انظر الفتوى الحموية (ص ٩٩) ضمن النفائس.
(٢) السنة للإمام أحمد (ص ١٩).
(٣) تاج العروس (٢/ ١٦٦ - ١٦٧) سمح.
[ ١ / ٢٣١ ]