عاش السفاريني ﵀ في القرن الثاني عشر في بلاد الشام في الفترة ما بين (١١١٤ - ١١٨٨ هـ) وكانت بلاد الشام لا تزال تحت الحكم العثماني، وإذا نظرنا إلى الدولة العثمانية في هذا العصر نجدها قد ضعفت بعد قوتها (. . فقد تآلبت عليها دول أوروبا في هذا القرن حتى انتزعت منها كثيرًا من ممتلكاتها وكان سلاطينها من الضعف بمكان فلم يكن لهم شيء من الأمر في الدولة وإنما كان الأمر
[ ١ / ١٥ ]
لوزرائهم وكان أكثر هؤلاء الوزراء جُهلاء، لا يعرفون شيئًا من أحوال السياسة الدولية في هذا القرن ولا يعرفون ما يجري حولهم ولا يأخذون بشيء من الإصلاح والتجديد، بل يجمدون على ما ألفوه. . .) (١).
(وبهذا انقلبت الدولة العثمانية إلى مطايا استبداد وفوضى وقام كثير من الولاة والأمراء بالخروج عليها وتكوين حكومات مستبده وضعيفة لا تستطيع اخضاع من في حكمها فكثر السلب والنهب وفقد الأمن) (٢).
ويصف محمد كرد علي حالة الشام في القرن الثاني عشر فيقول:
(. . . وسكان هذا القطر -أي بلاد الشام- كسائر الأقطار العثمانية لا عمل لهم إلا رضاء شهوات حكامهم من وطنيين وغرباء فلم يحدث شيء مما يقال له الإصلاح لأن رجال الدولة لم يفكروا فيه حتى يتوسلوا بأسبابه وإذا توسلوا فلا يحسنون طرقه وقد اعتادوا الأخذ ولم يعتادوا العطاء بتحسين الحالة ليزيد الأخذ والعطاء معًا. . .) (٣).
وقد كان لهذه الأحوال السياسية أثر على الأمة الإِسلامية في كثير من نواحي الحياة، ولذا يقول بمعنى المؤرخين:
(إن الحكم العثماني للبلاد الإِسلامية ابتداء من القرن الثاني عشر قد اتسم
_________________
(١) انظر كتاب "المجددون في الإسلام" للصعيدي (ص ٤١٦). وانظر "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" للدكتور صالح العبود، (ص ٢٥).
(٢) "حاضر العالم الإسلامي" تأليف لوثروب ستودارد، تعليق شكيب ارسلان (١/ ٢٥٩) باختصار، وانظر "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" للدكتور صالح العبود، (ص ٢٥ - ٢٦).
(٣) خطط الشام (٢/ ٢٦٧) باختصار.
[ ١ / ١٦ ]
بالتخلف والإستبداد وإرهاق الرعية بالضرائب والأتاوات الباهظة فعم الفقر والبؤس) (١).
وإذا ما أردنا أن نتعرف على موقف السفاريني من حكام عصره لا شك أن السفاريني ﵀ قد نشأ وتربى في هذا الجو السياسي والظروف القاسية وعانى منها وأحس بوطئتها على من حوله لذا فإنه عندما اكتملت رجولته ووصل إلى درجة التأثير. . (نراه محاربًا للظلم والطغيان صادعًا بكلمة الحق لا يماري فيه ولا يهاب أحدًا والجميع من أعيان بلده وأمرائه ليهابونه، يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر) (٢).
ومما يذكر من شجاعته أنه قال لأمير نابلس لما تولى بعد أبيه وجاء أهل العلم لتهنئته بالإمارة وطلبوا منه إلغاء الضرائب الزائدة عن الزكاة الشرعية فإن المزارعين جائعون لا يشبعون من غلة أراضيهم من الضرائب الفادحة، فقال الأمير: لا أغير شيئًا مما كان عليه والدي المرحوم، فقال له الشيخ السفاريني: وما أدراك أنه مرحوم؟ أزل الضرائب والناس يدعون لك وله فاستجاب الأمير للشيخ وأزال كثيرًا من الضرائب وأخذوا منه كتابه بإزالة الضرائب ودعوا له بالتوفيق (٣).