قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
وهو هذا الكتاب العربي الذي هو مائة وأربعة عشرة سورة أولها الفاتحة وآخرها المعوذتان، مكتوب في المصاحف متلو في المحاريب مسموع بالآذان متلو بالألسن، له أول وآخر وأجزاء وأبعاض.
والدليل على أن هذا هو القرآن: الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فإن اللَّه تعالى تحدى الخلق بالإتيان بمثله في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ. . .﴾ [الإسراء: ٨٨].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤].
ثم قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].
والتحدي إنما وقع بالإتيان بمثل هذا الكتاب بغير إشكال لأن ما في النفس لا يدري ما هو ولا يسمى سورًا ولا حديثًا فلا يجوز أن يقال فأتوا بحديث مثل ما في نفس الباري ولأن المشركين إنما زعموا أن النبي -ﷺ- افترى هذا القرآن أو تقوله، فرد اللَّه عليهم دعواهم فتحداهم بالإتيان بمثل ما زعموا أنه مفترى ومتقول دون غيره.
وهذا واضح لا شك فيه والكتاب العزيز مملوء من مثل هذا فلا نطيل بذكره.
[ ١ / ٢١٢ ]
وأما السنة فقول النبي -ﷺ- وسكوته، أما قوله فكثير جدًّا كقوله -ﷺ-: "هذا القرآن مأدبة اللَّه فتعلموا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل اللَّه وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فاتلوه فإن اللَّه يأجركم على تلاوته لكل حرف عشر حسنات، ألا إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر (١) " رواه أبو عبيد (٢) في فضائل القرآن.
وقال -ﷺ-: "إن الذي يقرأ القرآن وهو يشتد عليه فله أجران" (٣).
وقال -ﷺ-: "أعربوا القرآن" (٤).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٣/ ٣٥٧)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٣) رقم (١٠٠٥٧)، ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل (ص ١٥٥)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥) عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفوعًا؛ ورواه الدارمي في سننه (٢/ ٣٠٨)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٣٩) موقوفًا على عبد اللَّه بن مسعود. وفي إسناده إبراهيم الهجري وهو لين الحديث لكن له متابعات يتقوى بها. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (٦٦٠).
(٢) أبو عبيد: القاسم بن سلام بن عبد اللَّه الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء الخراساني البغدادي، من كبار العلماء بالحديث والفقه واللغة والأدب، له مصنفات كثيرة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩٠)؛ والأعلام (٥/ ١٧٦).
(٣) رواه البخاري (٨/ ٥٦٠) في تفسير سورة عبس؛ ومسلم رقم (٧٩٨) في صلاة المسافرين باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتعتع فيه.
(٤) ورد من رواية عبد اللَّه بن مسعود ﵁ مرفرعًا وموقوفًا، أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ١٥٠) رقم (٨٦٨٤ - ٨٦٨٦). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٤) رواه الطبراني من طرق وفيها ليث بن أبي سليم وفيه ضعف وبقية رجال أحد الطرق رجال الصحيح.=
[ ١ / ٢١٣ ]
وقال: لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم (١).
وقال من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ومن قرأه فلحن فيه فله بكل حرف حسنة (٢) حديث صحيح فهذه الأخبار وأضعاف أضعافها تدل دلالة واضحة على أن النبي -ﷺ- ما أراد بالقرآن سوى هذا الكتاب المنزل عليه الذي يعرف المسلمون قرآنا.
ولم يرد ما تزعم هذه الطائفة أنه معنى في النفس لا يظهر للشخص ولا ينزل ولا له أول ولا آخر ولا يدري ما هو لا سور ولا آيات ولا حروف ولا كلمات.
وأما سكوته -ﷺ- فإنه لو كان القرآن ما قالوا لوجب على النبي -ﷺ- بيانه وتعريفه
_________________
(١) = وورد من رواية أبي هريرة ﵁ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٥٦) رقم (٩٩٦١)؛ والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٩)؛ وأبو يعلى (١١/ ٤٣٦) رقم (٦٥٦٠)، وقال الحاكم صحيح الإسناد على مذهب جماعة من أئمتنا. ورده الذهبي بقوله: "قلت بل أجمع على ضعفه" وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٣) في إسناده عبد اللَّه بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك.
(٢) رواه البخاري في الجهاد والسير: باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو (٦/ ١٥٥) رقم (٢٩٩٠) فتح الباري، ومسلم رقم (١٨٦٩) في الإمارة: باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم. ورواه أبو داود رقم (٢٦١٠) وذكر أن قوله: "مخافة أن يناله العدو" من قول مالك، وهو كذلك في الموطأ (٢/ ٤٤٦) في الجهاد، باب النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ورواه ابن ماجه رقم (٢٨٧٩ - ٢٨٨٠)؛ وأحمد بعدة أسانيد عن نافع عن ابن عمر به. المسند (٢/ ٦، ٥٥، ٦٣، ١٢٨).
(٣) ذكره ابن قدامة في عقيدته لمعة الاعتقاد رقم (٣٣) وفي البرهان (ص ٢٢٤) وأشار إلى صحته ولم أجده بهذا اللفظ لكن روى البيهقي في شعب الإيمان رقم (٢٠٩٦) عن ابن عمر نحوه بلفظ "من قرأ القرآن فأعرب في قراءته كان له بكل حرف منه عشرون حسنة ومن قرأ بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات، وأشار محققه إلى ضعفه.
[ ١ / ٢١٤ ]
فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه بالاتفاق، وما أشد حاجة الأمة إلى معرفة القرآن الذي فيه ذكرهم وشرفهم. قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي شرفكم (١).
وقال بعضهم (٢) في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. هو القرآن.
(فإن كل الأمة) (٣) لم تسمع من النبي -ﷺ- فكيف لا يحتاج المسلمون إلى معرفة القرآن الذي شرفهم اللَّه به وجعله بشيرًا ونذيرًا ومناديًا وداعيًا إلى الهدى وحجة ونورًا وبرهانًا وشفاء ورحمة ومعجزة لنبيه -ﷺ- ومعرفًا للأحكام من الحلال والحرام والصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الأحكام.
وأمر النبي -ﷺ- بتبليغه والإنذار به.
فهذا مما لا يجوز للنبي -ﷺ- أن يهمل بيانه ولا يكتمه عن أمته سيما وقد أمره اللَّه بالتبليغ وفرضه وتوعده على تركه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧].
وقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤].
وقال مخبرًا عن النبي -ﷺ-: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. أي ومن بلغه القرآن.
وأيضًا لو ساغ للنبي -ﷺ- السكوت عن بيان القرآن فكيف ساغ له إيهام أمته أن
_________________
(١) قاله ابن عباس وغيره: انظر تفسير ابن كثير والبغوي (٥/ ٤٧٧).
(٢) هو محمد بن كعب القرظي: انظر تفسير ابن جرير (٤/ ٢١٢).
(٣) في النسختين (فإن كلاميته لم تسمع من اللَّه. . . والتصويب من البرهان لابن قدامة (ص ٢٢٧) ومنه ينقل المؤلف.
[ ١ / ٢١٥ ]
القرآن غير ما هو قرآن بما تلاه من الآيات التي فيها ذكر القرآن بأنه هو هذا الذي نقرأه.
والأخبار التي رويناها عنه -ﷺ- ليضل أمته بذلك عن الصواب ويعتقدوا غير الحق ويصيروا معتقدين غير الصواب فلو كان الأمر كما زعموا لكان -ﷺ- هو المضل لأمته والمغوي لهم والداعي إلى صراط الجحيم والمانع من الصراط المستقيم.
ولا شك أن اعتقاد مثل هذا كفر باللَّه العظيم، فهذه أدلة قاطعة في أن القرآن هو ما يعتقده المسلمون قرآنًا لا غير.
وأما الإجماع: فإن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ما كانوا يعتقدون القرآن سوى هذا الذي نعتقده قرآنًا دلت على ذلك أقوالهم وأحوالهم فإنهم سموا (١) حروفه وآياته وكلماته وأجزاءه وذكروا قراءته واستماعه على نحو ما ذكرناه عن النبي -ﷺ-.
قال الصديق الأعظم أبو بكر ﵁: "إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه" (٢).
وسئل علي ﵁ عن الجنب يقرأ القرآن قال: لا ولا حرف (٣).
وروي عنه أنه قال: من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله (٤).
_________________
(١) في النسختين: فإنهم "سموه. . . " والمثبت من البرهان لابن قدامة (ص ٢٣٠) طبع ضمن مجلة البحوث الإسلامية العدد التاسع عشر، ومنه ينقل الشارح.
(٢) روى ذلك عنه وعن عمر بن الخطاب ﵄، رواه عنهما ابن الأنباري كما في تفسير القرطبي (١/ ٢٣)؛ وذكره ابن تيمية (١٢/ ١٠٢).
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٣٣٦) رقم (١٣٠٦)؛ وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٠٢)؛ والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٨٩)، وذكره ابن قدامة في المغني (١/ ١٣٤ - ١٣٥) عن علي ﵁.
(٤) ذكره ابن قدامة في عقيدته رقم (٣٦).
[ ١ / ٢١٦ ]
ونصوص الصحابة في ذلك كثيرة جدًّا تخرج عن حد الإحصاء كل ذلك يدل دلالة ظاهرة واضحة على أن القوم ما اعتقدوا قرآنًا سوى هذا الذي هو حروف منظومة وآيات معلومة وكذلك من بعدهم من أهل الإسلام وكلامهم في هذا كثير جدًّا. قال الإِمام الموفق في البرهان: وما علمت أحدًا جحد كون هذا قرآنًا سوى هذه الطائفة ثم إنهم قد أجمعوا مع المسلمين على أنهم متى تلو آية قالوا: قال اللَّه كذا وقول اللَّه هو كلامه.
وأجمع المسلمون على أن القرآن يقرأ ويسمع ويحفظ ويكتب وهذه الصفات لا تعلق لها بما لم ينزل إلينا مما لم ندر ما هو، وأجمعوا على أن القرآن أنزل على محمد -ﷺ- وأنه معجزته التي تحدى بها اللَّه تعالى الخلق الإتيان بمثله فعجزوا عنه، وأجمعوا على أن في القرآن ناسخًا ومنسوخًا، ولا تعلق لذلك بالكلام النفسي، وأجمعوا على أن من جحد سورة من القرآن أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقا عليه أنه كافر (١).
قال أبو نصر السجزي: (٢) هذه حجة قاطعة على أنه حروف وأجمع المسلمون على أن القرآن لم ينزل على النبي -ﷺ- جملة واحدة وإنما نزل نجومًا في ثلاث وعشرين سنة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا
_________________
(١) انظر: البرهان لابن قدامة (ص ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٢) أبو نصر السجزي: جاء في النسختين السنجري والمثبت من المصادر فهو: عبد اللَّه بن سعيد بن حاتم السجزي الوائلي البكري أبو نصر أصله من سجستان ونسبته إليها على غير بأس: قال الذهبي الإِمام العالم المجود شيخ السنة ومصنف "الإبانة الكبرى" في أن القرآن غير مخلوق. وهو مجلد كبير قال على سعة علم الرجل بفن الأثر، توفي سنة أربع وأربعين وأربع مائة بمكة. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥٤)؛ والأعلام (٤/ ١٩٤).
[ ١ / ٢١٧ ]