قالوا: فلا كلمة في اللغة أجمع للخيرات من كلمة الفلاح (١).
وكذلك النصيحة فإنها كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له ويقال إنها من وجيز الأسماء ومختصر الكلام (٢).
فال الخطابي: (٣) وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة.
كما قالوا في الفلاح: إنه ليس في كلامهم كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة منه أي الفلاح (٤) انتهى.
ومفهوم كلام (المصي) (٥) رحمه اللَّه تعالى أن لا فلاح لأهل البدع أصلا لأنه ترجى لمن أقتفى الآثار ونهج نهج الأتباع وجانب الأشرار وخالف أهل الإبتداع الفلاح ومن لا يكون كذلك فلا يرجى له الفلاح ولا يتوقع له الخلاص ولا النجاح.
_________________
(١) و(٢) نقله المصنف من شرح ابن دقيق العبد على الأربعين النووية (ص ٣٤ - ٣٥)؛ وانظر لوامع الأنوار للمؤلف (١/ ٣٣٠).
(٢) الخطابي: حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي أبو سليمان، فقيه محدث لغوي حافظ من أهل بست من بلاد كابل، توفى سنة ٣٨٨ هـ. من تصانيفه: معالم السنن في شرح سنن أبي داود، ط؛ وغريب الحديث، ط؛ واصلاح غلط المحدثين، ط؛ وبيان إعجاز القرآن؛ وشرح صحيح البخاري، وغيرها. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣)، وطبقات الشافعية (٣/ ٢٨٢ - ٢٩٠)، وفيات الأعيان (٢/ ٢١٤ - ٢١٦) والأعلام (٢/ ٢٧٣).
(٣) النص في شرح مسلم للنووي (٢/ ٢٧).
(٤) كذا في المخطوطتين وهي اختصار لكلمة المصنف. ولو قال الناظم كما مر لكان أفضل.
[ ١ / ١٨٢ ]
ولما طلبت أم بشر بن غياث المريسي (١) الخبيث المعتزلي من الإمام الشافعي (٢) ﵁ أن ينهاه عن هواه قال له أخبرني عما تدعو اليه أكتاب ناطق؟ أم فرض مفترض، أم سنة قائمة؟ أم وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه؟ قال بشر: ليس فيه كتاب ناطق ولا فرض مفترض ولا سنة قائمة ولا وجوب عن السلف البحث فيه، والسؤال عنه إلا أنه لا يسعنا خلافه. فقال له الإمام الشافعي ﵁: أقررت على نفسك بالخطأ فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار يواليك الناس عليه فلم يفعل فلما خرج بشر عن عند الشافعي قال الشافعي ﵁: هذا رجل لا يفلح (٣) فجزم له بعدم الفلاح.
وكذلك قال سيدنا الإمام أحمد (٤) ﵁: عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم وإياكم والخوض والمراء (٥) فإنه لا يفلح عن أحب الكلام.
وقال ﵁ في علماء أهل البدع عن المتكلمة: لا أحب لأحد أن
_________________
(١) بشر بن غياث المريسي كان من أصحاب الرأي أخذ الفقه عن أيى يوسف القاضي إلا أنه اشتغل بعلم الكلام وجدَّ في القول بخلق القرآن وناظر عليه واحتج له ودعا إليه وحكي عنه أقوال شنيعة ومذاهب مستنكرة من ذلك القول بخلق القرآن وتعطيل صفات اللَّه ورده للأحاديث الثابتة في الرؤية وغيرها، توفى سنة ٢١٨ هـ. تاريخ بغداد (٧/ ٥٦ - ٦٧)؛ والميزان (١/ ٣٢٢).
(٢) تقدم (١/ ١٧٤).
(٣) النص في تاريخ بغداد (٧/ ٥٩)، وفي مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٢٠٤)، وفي الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية (١/ ٤٤٨).
(٤) تقدم (١/ ١١١).
(٥) المراء: الجدال، والتماري والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتر به كما يمتري الحالب اللبن من الضرع. النهاية (٤/ ٣٢٢).
[ ١ / ١٨٣ ]