معتمدًا على اللَّه تعالى. ومتوجهًا إليه في الحفظ من الزيغ عن مذهب السلف وفي الإعانة عليه فأقول:
المقدمة المشتملة على الثلاثة مقاصد والخاتمة:
المقصد الأول: في ترجمة الناظم وذكر مناقبه ومآثره وذكر والده الإمام الحافظ أبي داود صاحب السنن رحمهما اللَّه تعالى ورضي عنهما.
أما أبو بكر فهو (١): الحافظ المتقن العلامة قدوة المحدثين وعمدة المدققين الحافظ
_________________
(١) ترجم الشارح لعبد اللَّه هنا لكنه لم يستوعب كل ما يتعلق بترجمته وكنت في بداية بحثي قد كتبت ترجمة موسعة لعبد اللَّه استقصيت فيها كل ما يتعلق بترجمته لكني عدلت عن إثباتها هنا خشية الإطالة وتجنبًا للتكرار وسأكتفي هنا بذكر أهم ما جاء فيها مما يتعلق بعبد اللَّه وبعد ذلك أحيل القارئ الكريم إلى مصادر ترجمة عبد اللَّه إن أراد التفصيل. أما أهم ما جاء فيها فهو ينحصر في أمرين: الأول: ما يتعلق بعقيدته. الثاني: حول ما قيل فيه من الجرح والجواب عن ذلك. أما ما يتعلق بعقيدته فإنه ﵀ كان على مذهب السلف من الإيمان باللَّه وبأسمائه وإثبات صفاته على الوجه اللائق باللَّه كما قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ولعل قصيدته في العقيدة وهي التي شرحها العلامة السفاريني في كتابه هذا خير دليل على ذلك. فقد جاء عنه أنه قال بعد أن ذكرها: هذا قولي وقول أبي وقول أحمد بن حنبل ﵀ وقول من أدركنا من أهل العلم وقول من لم ندرك من أهل العلم ممن بلغنا قوله فمن قال على غير هذا قد كذب (انظر القصيدة ١/ ٨٩) وما بعدها). وأما ما قيل فيه من الجرح فسأذكر ما قيل فيه ثم أذكر الجواب عنه فأقول: جاء في ترجمته أنه تكلم فيه أبوه فقال: ابني عبد اللَّه كذاب، وكذا قال إبراهيم بن أورمة الأصبهاني وكان =
[ ١ / ٩٨ ]
أبو بكر عبد اللَّه بن الحافظ الكبير الإمام سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب التصانيف المفيدة والفوائد المجيدة، والعوائد العديدة.
_________________
(١) = ابن صاعد يقول كفانا ما قاله أبوه فيه. الكامل لابن عدي (٤/ ١٥٧٧). وقال أبو القاسم البغوي -وقد كتب إليه عبد اللَّه يسأله عن لفظ حديث-. . أنت عندي واللَّه منسلخ من العلم. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٨). وكذا قال ابن جرير: حينما أخبر أن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي ﵁ فقال: تكبيرة حارس، يعني أنه قاله خوفا وقال ابن عدي: كان في الإبتداء نسب إلى شيء من النصب فنفاه ابن الفرات من بغداد فرده علي بن عيسى الوزير فحدث وأظهر فضائل علي ﵁ ثم تحنبل فصار شيخًا فيهم. الكامل (٤/ ١٥٧٧). هذا ملخص الكلام حول عبد اللَّه وفي الجواب عنه نقول: أما تهمة النصب وبغض علي ﵁ فلم يثبت عنه شيء في ذلك بل ثبت عنه أنه قال: "كل من بيني وبينه شيء ويذكرني بشيء فهو في حل إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب، وكذا قال الذهبي ﵀: لم يثبت عنه شيء في ذلك. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٩). أما جرح أبيه فيه فقال: الذهبي: "لعل قول أبيه فيه -إن صح- أراد الكذب في لهجته لا في الحديث. فإنه حجة فيما ينقله، أو كان يكذب ويوري في كلامه، ومن زعم أنه لا يكذب أبدا فهو أرعن نسأل اللَّه السلامة من عثرة الشباب، ثم إنه شاخ وارعوى ولزم الصدق والتقى. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٣١). وقال أيضا في تذكرة الحفاظ: "أما قول أبيه فالظاهر أنه -إن صح- عنه فقد عنى أنه كذاب في كلامه لا في الحديث النبوي وكأنه قال هذا وعبد اللَّه شاب طري ثم كبر وساد" تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٧٢). =
[ ١ / ٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وقال ابن عدي: "وأبو بكر بن أبي داود لولا شرطنا أول الكتاب أن كل من تكلم عنه متكلم ذكرته في كتابي وإلا لما ذكرته. . إلى أن قال: وهو معروف بالطلب وعامة ما كتب مع أبيه وهو مقبول عند أصحاب الحديث، وأما كلام أبيه فما أدري أيش تبين له منه". الكامل (٤/ ١٥٧٧). قلت: لعل الخلاف الذي وقع بين أبي داود وابنه بسبب طلبه القضاء مما دعاه إلى أن يقول ذلك فقد ورد عنه أنه قال: "من البلاء أن عبد اللَّه يطلب القضاء". سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٨). وعلق عليه السيوطي بقوله: "هذا ليس بكلام بل تواضع". طبقات الحفاظ (ص ٣٢٦). أما كلام ابن صاعد وابن جرير وغيرهما فلا يقبل فيه فإن هؤلاء كان بينهم وبينه عداوة وهم من الأقران لا يقبل جرح بعضهم في بعض وقد كذب ابن أبي داود أيضًا ابن صاعد كما وارد عنه. لذا قال الذهبي: لا ينبغي سماع قول ابن صاعد فيه كما لا نعتد بتكذيبه لابن صاعد فقف في كلام الأقران بعضهم في بعض. تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٧٢). وقد تقدم قول ابن عدي أنه لم يذكره في كتابه إلا لوجود الكلام حوله وقد اشترط ذلك على نفسه وإلا لما ذكره. وكذا قال الذهبي في الميزان: "إنما ذكرته لأنزهه". الميزان (٢/ ٤٣٦). وبهذا يتبين أن عبد اللَّه من كبار الأئمة الحفاظ ومن أهل الصدق والأمانة، وإن صح عنه شيء أيام شبيبته فهذا لا يضره، فقد كبر وساد وفاق الأقران. واللَّه أعلم. وهذه مصادر ترجمة عبد اللَّه: الكامل لابن عدي (٤/ ١٥٧٧)؛ وأخبار أصبهان لأبي نعيم (٢/ ٦٦ - ٦٧)؛ وتاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤ - ٤٦٨)؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلي (٢/ ٥١ - ٥٥)؛ والأنساب (٧/ ٨٥)؛ وتاريخ دمشق لابن عساكر الجزء الرابع والثلاثين المطبوع من حرف العين (ص ٧٣ - ٨٦)؛ وفي المنتظم لابن الجوزي (٦/ ٢١٨ - ٢١٩)؛ وفي وفيات الأعيان لابن خلكان =
[ ١ / ١٠٠ ]
رحل أبو بكر وسمع وبرع وساد الأقران رحل به أبوه من سجستان فطوف به شرقًا وغربًا، وأسمعه من علماء ذلك الوقت، فسمع بخراسان، والجبال (١) وأصبهان، وفارس والبصرة، وبغداد والكوفة، والمدينة ومكة والشام ومصر، والجزيرة، والثغور (٢) واستوطن بغداد، وصنف المسند، والسنن، والتفسير، والقراءات والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك (٣).
وكان فهمًا عالمًا حافظًا.
_________________
(١) = (٢/ ٤٠٥) ضمن ترجمة أبيه، وفي تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٦٧ - ٧٦٨)؛ في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢١ - ٢٣٧)؛ وفي الطبقات الكبرى للسبكي (٣/ ٣٠٧)؛ وفي غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (١/ ٤٢٠) وفي طبقات المفسرين (١/ ٢٣٦)؛ وفي المنهج الأحمد للعليمي (٢/ ١٥)؛ وفي طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٢٢)؛ وفي شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٢/ ٢٧٣)؛ وفي مختصر طبقات الحنابلة لمحمد جميل الشطي (ص ٢٨ - ٣٠). وقد ترجم له الشيخ عبد الغفور عبد الحق في مقدمتة لكتاب "مسند عائشة ﵂" ترجمة وافية.
(٢) الجبال: قال ياقوت في معجمه: الجبال جمع جبل: اسم علم للبلاد المعروفة اليوم باصطلاح العجم بالعراق وهي ما بين أصبهان إلى زنجان وقزوين وهمذان والدينور وقرمين والري وما بين ذلك من البلاد الجليلة والكور العظيمة وتسمية المعجم له بالعراق لا أعرف سببه وهو اصطلاح محدث لا يعرف في القديم. . . ". معجم البلدان (٢/ ٩٩).
(٣) الثغور: جمع ثغر قال ياقوت وهو بالفتح ثم السكون وراء كل موضع قريب من أرض العدو يسمى ثغرا كأنه مأخوذ من الثغرة وهي الفرجة في الحائط وهو في مواضع كثيرة، ثم ذكر ثغورًا كثيرة منها ثغر الشام وثغر الإسكندرية وغيرها. معجم البلدان (٢/ ٩٩).
(٤) انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤).
[ ١ / ١٠١ ]
وحدث عن علي بن خشرم (١) المروزي، وأبي داود بن معبد السنجي (٢) وسلمة بن شبيب (٣) ومحمد بن يحيى الذهلي (٤) وأحمد بن الأزهر (٥) النيسابوري، وإسحق بن منصور الكوسج (٦) ومحمد بن بشار (٧) بندار، ومحمد بن المثنى (٨) وعمرو بن علي (٩) ونصر بن
_________________
(١) علي بن خشرم المروزي ثقة، مات سنة سبع وخمسين ومائتين. تقريب (ص ٢٤٥).
(٢) سليمان بن معبد السنجي بكسر المهملة بعدها نون ساكنة ثم جيم، ثقة صاحب حديث رحال أديب، مات سنة سبع وخمسين ومائتين. تقريب (ص ١٣٦).
(٣) سلمة بن شبيب النسائي نزيل مكة حافظ ثقة، مات سنة سبع وأربعين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٥٦).
(٤) محمد بن يحيى الذهلي النيسابوري عالم أهل المشرق، إمام أهل الحديث بخراسان أبو عبد اللَّه، ثقة مأمون، قال أبو بكر بن أبي داود محمد بن يحيى أمير المؤمنين في الحديث، مات سنة ٢٥٨. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٧٣).
(٥) أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوري أبو الأزهر، محدث خراسان في وقته، ثقة حافظ وهو من رجال السنن، روى عنه النسائي وابن ماجة، مات سنة ثلاث وستين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٦٣).
(٦) اسحاق بن منصور الكوسج المروزي، نزيل نيسابور أبو يعقوب، ثقة ثبت، أحد الأئمة من أصحاب الحديث والفقه، مات سنة ٢٥١ هـ. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٥٨)؛ وتهذيب الكمال (٢/ ٤٧٤).
(٧) محمد بن بشار بن عثمان البصري، الإمام الحافظ الفقيه راوية الإسلام، لقبه بندار لأنه كان بندار الحديث في عصره بلده والبندار الحافظ، مات ٢٥٢ هـ. سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٤٤).
(٨) محمد بن المثني بن عبيد العنزي بفتح النون والزاي أبو موسى البصري المعروف بالزمن ثقة ثبت كان هو وبندار فرسا رهان وماتا في سنة واحدة وهي سنة ٢٥١. تقريب التهذيب (ص ٣١٧).
(٩) عمرو بن علي الفلاس البصري الحافظ الإمام أبو حفص الباهلي أحد الأعلام، مات =
[ ١ / ١٠٢ ]
علي (١) البصريين، وإسحاق بن إبراهيم النهشلي (٢) وزياد بن أيوب (٣) ومحمد ابن عبد اللَّه المخرمي (٤) ويعقوب الدورقي (٥) ويوسف بن موسى القطان (٦) ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة (٧) وخلق كثير من أمثالهم (٨).
_________________
(١) = ٢٤٩ هـ. سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٧٠).
(٢) نصر بن علي بن نصر الجهضمي الأزي أبو عمرو البصري الحافظ العلامة، الثقة، مات سنة ٢٥٠. سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٣٣). تنبيه: جاء في المخطوطتين كذا: عمرو بن علي بن نصر والتصويب من تاريخ بغداد وغيره من مصادر ترجمة عبد اللَّه.
(٣) إسحاق بن إبراهيم النهشلي المعروف بشاذان الفارسي صدوق، مات ستة سبع وستين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٨٢).
(٤) زياد بن أيوب بن زياد الطوسي ثم البغدادي الإمام المتقن الحافظ يقال له شعبة الصغير، توفي سنة ٢٥٢. سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٢٠)، والتقريب (ص ١٠٩).
(٥) محمد بن عبد اللَّه بن المبارك المخرمي أبو جعفر القرشي، ثقة حافظ مات سنة ٣٦٠ هـ أو قبلها. تقريب (ص ٢٠٦).
(٦) يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي الحافظ الإمام الحجة أبو يوسف العبدي كان ثقة حافظًا، صنف السند، مات سنة ٢٥٢. سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٤١).
(٧) يوسف بن موسى القطان أبو يعقوب نزيل الري ثم بغداد، صدوق، مات سنة ٢٥٣. تقريب (ص ٣٠٨).
(٨) محمد بن عبد الرحيم بن أبي زهير البغدادي البزاز أبو يحيى المعروف بصاعقة، ثقة حافظ، مات سنة خمس وخمسين ومائتين. تقريب (ص ٣٠٨).
(٩) انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤ - ٤٦٥).
[ ١ / ١٠٣ ]
وروى عنه أبو بكر بن مجاهد القراء (١) وعبد الباقي بن قانع (٢) ودعلج (٣) وأبو بكر الشافعي (٤) ومحمد بن المظرف الوراق (٥) والدارقطني (٦) وأبو حفص بن شاهين (٧) وأبو القاسم (٨) بن حبابه،
_________________
(١) أبو بكر بن مجاهد: اسمه أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد التميمي المقرئ شيخ العراق في وقته، كان حافظًا دينًا خيرًا، توفى سنة ٣٢٤ هـ. غاية النهاية في طبقات القراء (١/ ١٣٩).
(٢) عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق الأموي مولاهم أبو الحسين البغدادي صاحب كتاب معجم الصحابة كان حافظًا صدوقًا، مات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٢٦).
(٣) دعلج بن أحمد بن دعلج أبو إسحاق السجزي، محدث ثقة فقيه ثبت، مات سنة ٣٥١ هـ. تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٨١).
(٤) أبو بكر الشافعي: هو محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم الإمام الحجة كان ثقة ثبتًا، صاحب تصانيف، مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٨٠).
(٥) محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى أبو محمد البغدادي أبو الحسين كان محدثًا حافظًا، صادقًا مكثرًا، مات سنة ٣٧٧ هـ. تاريخ بغداد (٣/ ٢٦٢)؛ وسير أعلام النبلاء (١٦/ ٤١٨).
(٦) علي بن عمر بن أحمد أبو الحسن الدارقطني، أحد الأعلام الثقات، الحافظ الشهير صاحب السنن وغيره من المؤلفات مات سنة ٣٨٥ هـ. تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٩١).
(٧) أبو حفص بن شاهين: عمر بن أحمد بن شاهين أبو حفص الإمام المفيد والمكثر محدث العراق، صاحب التصانيف الكثيرة، مات سنة ٣٨٥. تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٨٧).
(٨) أبو القاسم بن حبابة: عبيد اللَّه بن محمد بن إسحاق بن سليمان ابن حبابة بالتخفيف البغدادي، محدث ثقة، مات سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٧)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٤٨).
[ ١ / ١٠٤ ]
والمخلص (١) وأبو عبد اللَّه ابن بطة (٢) وعيسى بن علي الوزير (٣).
وكان عيسى يشير إلى موضع في داره ويقول: حدثنا أبو القاسم البغوي (٤) في ذلك الموضع، وحدثنا يحيى بن صاعد (٥) في ذلك.
وثنا (٦) أبو بكر بن مجاهد في ذلك الموضع وذكر غير هؤلاء، فيقال ألا نراك تذكر أبا بكر بن أبي داود فيقول: ليته إذا مضينا إلى داره كان يأذن لنا في الدخول عليه والقراءة عليه (٧).
ونصب لأبي بكر بن أبي داود السلطان المنبر فحدث عليه لفضله ومعرفته (٨)
_________________
(١) محمد بن عبد الرحمن أبو طاهر الخلص كان ثقة صالحا، مات سنة ٣٩٣. تاريخ بغداد (٢/ ٢٢٢).
(٢) أبو عبد اللَّه بن بطة: عبيد اللَّه بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي ابن بطة مصنف كتاب الإبانة الكبرى، كان محدثًا فقيهًا عابدًا، مات سنة ٣٨٧ هـ. سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩).
(٣) عيسى بن علي الوزير مسند بغداد صاحب الأمالي، كان ثبت السماع صحيح الكتاب، مات سنة ٣٩١ هـ. تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠٢٣).
(٤) أبو القاسم البغوي: عبد اللَّه بن محمد بن عبد العزيز أبو القاسم البغوي الأصل البغدادي الدار والولد، محدث حافظ، ثقة مات سنة ٣١٧ هـ. سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٤٠).
(٥) يحيى بن محمد بن صاعد بن كاتب محدث حافظ مجود رحال، توفى سنة ٣١٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٠١).
(٦) كذا في المخطوطتين وهي اختصار لكلمة حدثنا.
(٧) انظر: النص في طبقات الحنابلة (٢/ ٥١ - ٥٢).
(٨) طبقات الحنابلة (٢/ ٥٢).
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال الأزهري (١) سمعت أحمد بن إبراهيم بن شاذان (٢) يقول: خرج أبو بكر بن أبي داود إلى سجستان في أيام عمرو (٣) بن الليث فاجتمع إليه أصحاب الحديث وسألوه أن يحدثهم فأبى وقال: ليس معي كتاب، فقيل له ابن أبي داود وكتاب؟ قال أبو بكر فأثاروني فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي، فلما قدمت بغداد قال البغداديون مضى ابن أبي داود إلى سجستان ولعب بالناس ثم جهزوا فيجًا (٤) اكتروه إلى سجستان ليكتب لهم النسخة فكتبت وجئ بها إلى بغداد، وعرضت على الحفاظ فخطئوني في ستة أحاديث، منها ثلاثة حدثت بها كما حدثت وثلاثة أحاديث أخطأت فها (٥).
قال ابن شاهين (٦) سمعت أبا بكر بن أبي داود يقول:
دخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مدًا باقلا فكنت آكل منه
_________________
(١) الأزهري: عبيد اللَّه بن أحمد بن عثمان الأزهري البغدادي الصيرفي أبو القاسم محدث مقري صدوق، مات سنة ٤٣٥. تاريخ بغداد (١٠/ ٣٨٥)؛ وسير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٧٨).
(٢) أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن شاذان البزاز البغدادي أبو بكر محدث ثقة، مات سنة ٣٨٣ هـ. تاريخ بغداد (٤/ ١٨)؛ وتذكرة الحفاظ (٣/ ١٠١٧).
(٣) في المخطوطتين عمر بن الليث بدون واو والتصويب من مصادر ترجمته فهو عمرو بن الليث الصفار ثاني أمراء الدولة الصفارية توفى سنة ٢٨٩. انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٨٤).
(٤) الفيج: الجماعة من الناس، والفيج المسرع في مشيه الذي يحمل الأخبار من بلد إلى بلد. النهاية (٣/ ٤٤٧، ٤٨٣).
(٥) انظر النص في تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٦).
(٦) تقدم (١/ ١٠٤).
[ ١ / ١٠٦ ]
مدًا واكتب عن أبي سعيد (١) الأشج ألف حديث، فلما كان الشهر، حصل معي ثلاثون ألف حديث.
وقال ابن شاهين -أيضًا- وكان يملي من حفظه ولقد قرأ علينا يومًا حديث الفتون (٢) من حفظة فقال له أبو تمام الزينبي ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم (٣) الحربي فقال كلما كان إبراهيم الحربي يحفظه فأنا أحفظه (٤).
وقال (٥) أبو محمد الخلال (٦): "كان أبو بكر بن أبي داود إمام العراق وكان في وقته مشايخ أسند منه -أي أعلا سندًا منه- ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ (٧).
_________________
(١) أبو سعيد الأشج: عبد اللَّه بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي أبو سعيد الأشج محدث حافظ مفسر ثقة، مات سنة سبع وخمسين ومائتين. سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٨٢)؛ وتقريب (ص ١٧٥).
(٢) في النسختين: القنوت وما أثبته من مصادر تخريج الحديث، وهو حديث طويل جدًا رواه النسائي في تفسيره (٥/ ١٠)؛ وابن جرير في تفسيره (١٦/ ١٦٤)، وأبو يعلى في مسنده (٥/ ١٠) كلهم موقوفا على ابن عباس عند تفسير قوله تعالى ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوْنَا﴾ [طه: ٤٠].
(٣) إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي البغدادي أبو إسحاق محدث حافظ علامه صاحب تصانيف، توفى سنة ٢٨٥ هـ. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٥٦).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٥).
(٥) في "ظ": فقال.
(٦) الخلال: الحسن بن أبي طالب محمد بن الحسن بن علي البغدادي أبو محمد الخلال محدث حافظ مصنف، سنة ٤٣٩ هـ. سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٩٣).
(٧) انظر النص في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٤).
[ ١ / ١٠٧ ]
وقال الخطيب (١): طاف شرفًا وغربًا استوطن بغداد وصنف المسند والسنن وغيرهما، وكان فقيهًا عالمًا حافظًا (٢)، وكان قوي النفس لا يذل نفسه أراد علي بن عيسي (٣) الوزير أن يصالح بينه وبين ابن صاعد (٤) فجمعهما فقال: يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه قال لا أفعل، فقال الوزير أنت شيخ زيف، قال الشيخ الزيف الكذاب على رسول اللَّه -ﷺ-، قال الوزير: من الكذاب؟ قال: هذا، ثم قام وقال: تتوهم أني أذل لك لأجل رزقي وإنه يصل على يدك، واللَّه لا أخذت من يدك شيئا.
قال: فكان الخليفة المقتدر (٥) يزن رزقه بيده ويبعث إليه في طبق على يد الخادم (٦).
_________________
(١) الخطيب: أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد أبو بكر البغدادي من كبار العلماء بالحديث والفقه له مصنفات كثيرة منها تاريخ بغداد، وشرف أصحاب الحديث، والكفاية في علم الرواية وغيرها، توفي سنة ٤٦٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٧٠).
(٢) تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٤).
(٣) علي بن عيسى بن لاود بن الجراح أبو الحسن وزير المقتدر باللَّه والقاهر باللَّه كان صدوقًا دينًا فاضلًا عفيفًا في ولايته محمودًا في وزارته، توفي سنة ٣٣٤ هـ. تاريخ بغداد (١١/ ١٤).
(٤) تقدم (١/ ١٠٥).
(٥) المقتدر: جعفر بن المعتضد باللَّه أحمد بن أبي أحمد طلحة ابن المتوكل على اللَّه الهاشمي البغدادي الخليفة العباسي أبو الفضل مات سنة ٣٢٠. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٣).
(٦) انظر: النص في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٦).
[ ١ / ١٠٨ ]
وعن أبي بكر بن أبي داود ﵄ قال: قلت لأبي زرعة (١) ألق عليّ حديثًا غريبًا من حديث مالك (٢) فألقى علي حديث وهب بن كيسان (٣) "لا تحصي فيحصى عليك" (٤) رواه عبد الرحمن (٥) بن شيبة وهو ضعيف، فقلت له يجب أن تكتبه عني عن أحمد بن صالح (٦) عن عبد اللَّه بن نافع (٧) عن مالك، فغضب وشكاني إلى أبي وقال: انظر ما يقول لي أبو بكر (٨).
_________________
(١) أبو زرعة: عبيد اللَّه بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي إمام حافظ ثقة مشهور، مات سنة ٢٦٤. تقريب (ص ٢٢٦).
(٢) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد اللَّه المدني الفقيه، إمام دار الهجرة وشيخ الإسلام، إمام من أئمة العلماء وأعلامهم، توفى سنة ١٢٧ هـ. سير أعلام النبلاء (٨/ ٢٣).
(٣) وهب بن كيسان القرشي مولاهم أبو نعيم، المدني المعلم، ثقة، مات سنة ١٢٧ هـ. تقريبي (ص ٣٧٢).
(٤) الحديث صحيح من طريق هشام بن عروه عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أخرجه البخاري في الزكاة باب الحث على الصدقة. فتح الباري (٣/ ٣٥١)؛ ومسلم في الزكاة باب الحث على الإنفاق وكراهية الإحصاء (٢/ ٧١٣) رقم (١٠٢٩).
(٥) عبد الرحمن بن شيبة: اسمه عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، نسب إلى جده أبو بكر الجزائري المدني مختلف في توثيقه، مات في حدود العشرين ومائتين. ميزان الإعتدال (٢/ ٥٧٨).
(٦) أحمد بن صالح المصري المعروف بابن الطبري أبو جعفر، إمام محدث، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٤٨. سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٦٠).
(٧) عبد اللَّه بن نافع بن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم أبو محمد المدني ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، مات سنة ست ومائتين وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (٦/ ٥١)، وتقريب التهذيب (ص ١٠٩١).
(٨) انظر: النص في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٦).
[ ١ / ١٠٩ ]
وكان أحمد بن صالح يمنع المرد من مجلسه فأحب أو (١) داود أن يسمع من أبنه فشد لحيته على وجهه وسمع، فعرف وقال: أمثلي يعمل معه هذا، فقال لا تنكر عليّ هذا واجمع إبني مع الكبار فإن لم يقاومهم بالمعرفة فاحرمه السماع (٢).
وذكره ابن عدي (٣) فقال: تكلم فيه أبوه وابن صاعد (٤) فأما أبوه فقال: من البلاء أنّ عبد اللَّه يطلب للقضاء (٥).
قال الحافظ السيوطي (٦) في طبقات الحفاظ:
"هذا ليس بكلام بل قاله على سبيل التواضع، وأما ابن صاعد فعدوه فلا يعتد
_________________
(١) في "أ" فأحب ابن أبي داود، وقد صححت في "ظ".
(٢) قال الذهبي: اسناد هذه الحكاية منقطع. سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٣) ابن عدي: عبد اللَّه بن عدي بن عبد اللَّه بن محمد الجرجاني أبو أحمد محدث حافظ، ناقد صاحب كتاب الكامل في الجرح والتعديل، طبع في سبعة مجلدات، مات سنة ٣٦٥ هـ. سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٥٤).
(٤) ابن صاعد تقدم (١/ ١٠٥).
(٥) كما في المخطوطتين وفي طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٢٤) يطلب للقضاء، والذي في الكامل لابن عدي (٤/ ١٥٧٨)؛ وفي تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٧٢)؛ وكذلك في تاريخ دمشق ٣٤/ ٨٢ بطلب القضاء.
(٦) السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري الأسيوطي جلال الدين، محدث حافظ مؤرخ أديب بارع في عدد من العلوم له نحو ٦٠٠ مصنفا منها الكتاب الكبير والرسالة الصغيرة. وقد ترجم لنفسه في كتابه حسن المحاضرة (١/ ٣٢٥)، توفي سنة ٩١١ هـ. الأعلام (٣/ ٣٠١).
[ ١ / ١١٠ ]
بكلامه فيه كما لا يعتد بكلام ابن أبي داود في ابن صاعد (١).
وقال ابن خلكان (٢) في وفيات الأعيان: "كان أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود من أكابر الحفاظ ببغداد عالمًا متفقًا عليه إمامًا وله كتاب "المصابيح" وشارك أباه في شيوخه بمصر والشام وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وشيراز وغيرها. انتهى (٣).
وأبو بكر هذا وأبوه الإمام صاحب السنن من أئمة علماء مذهبنا، وأبوه أحد نقلة مذهب الإمام أحمد (٤) وعدهما علماؤنا وغيرهم من جملة علماء المذهب.
مولد الإمام الحافظ أبي بكر بن أبي داود سنة ثلاثين ومائتين، قال وأول ما كتبت سنة إحدى وأربعين عن محمد بن أسلم الطوسي (٥) وكان بطوس (٦) وكان
_________________
(١) انظر: طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٣٢٤). وانظر ما كتبته حول ما قيل في عبد اللَّه (١/ ٩٨) وما بعدها.
(٢) ابن خلكان: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الأربلي الشافعي شمس الدين أبو العباس مؤرخ أديب شاعر من تصانيفه وفيات الأعيان وانباء ابناء الزمان مطبوع، توفى سنة ٦٨١ هـ. الوافي بالوفيات (٧/ ٣٠٨)؛ ومعجم المؤلفين (٢/ ٥٩).
(٣) وفيات الأعيان (٢/ ٤٠٥).
(٤) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي البغدادي أبو عبد اللَّه أحد الأئمة الأعلام، ثقة فقيه حافظ حجة، مات سنة ٢٤١ هـ. سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٧)؛ وتقريب (ص ١٦).
(٥) محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد أبو الحسن الكندي مولاهم الخراساني الطوسي محدث حافظ ثقة، مات سنة ٢٤٢ هـ. سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٩٥).
(٦) طوس: مدينة خراسان بينها وبين نيسابور عشرة فراسخ. معجم البلدان (٤/ ٤٩).
[ ١ / ١١١ ]
رجلًا صالحًا وسر بي أبي لما كتبت عنه وقال لي أول ما كتبت كتبت عن رجل صالح (١).
قال أبو بكر: ورأيت جنازة إسحاق (٢) بن راهوية، ومات إسحاق سنة ثلاث وأربعين ومائتين وكنت مع ابنه في الكتاب (٣).
وتوفى أبو بكر عبد اللَّه بن أبي داود ﵄ وهو ابن ست وثمانين سنة وست أشهر وأيام وصلى عليه مطلب الهاشمي (٤) ثم أبو عمر حمزة بن القاسم الهاشمي (٥) وقيل إنه صلى عليه ثمانين مرة (٦) حتى أنفذ الخديفة المقتدر باللَّه جماعة
_________________
(١) النص في تاريخ بغداد (٩/ ٤٦٥).
(٢) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي أبو محمد بن راهوية المروزي، ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، مات سنة ٢٣٨ هـ. تقريب (ص ٢٧).
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ٥٤).
(٤) مطلب ين إبراهيم بن عبد العزيز أبو هاشم الهاشمي كان إمام وخطيب جامع المهدي وهو جامع الرصافة ببغداد، توفى سنة ٣٢٢ هـ. تاريخ بغداد (١٣/ ٢٧١).
(٥) حمزة بن القاسم بن عبد العزيز أبو عمر الهاشمي كان يتولى الصلاة بالناس في جامع المنصور، ثم تولى إمامة جامع الرصافة، توفى سنة ٣٣٥ هـ. تاريخ بغداد (٨/ ١٨١).
(٦) الصلاة على أبي بكر أكثر من مرة فيها احتمالان: الاحتمال الأول أن هذا التكرار هو من عدة أئمة وجماعات متعددة جاءوا في أوقات مختلفة وذلك لكثرة المصلين عليه وعدم تمكنهم من المجيء في وقت واحد، ولذلك أبقي فى مكانه حتى يتمكن أكبر عدد ممكن من الصلاة عليه. ويؤيد هذا أن النص جاء في طبقات الحنابلة، وفي المنهج الأحمد هكذا: (وقيل صلى عليه ثمانون مرة) والصلاة على هذه الصفة جائزة فى قول كثير من أهل العلم عنهم الإمام أحمد وغيره. =
[ ١ / ١١٢ ]
فخلصوا جنازته، ودفنوه يوم الأحد لاثنتي عشرة بقيت من ذى الحجة سنة ست عشرة وثلاثمائة في مقبرة باب البستان في بغداد وقيل صلى عليه زهاء ثلاثمائة ألف إنسان وأكثر، وأخرج بعد صلاة الغداة ودفن بعد صلاة الظهر وخلف ثمانية أولاد أبو داود محمد، وأبو عمر عبيد اللَّه، وأبو أحمد عبد الأعلى وخمس بنات رحمهم اللَّه تعالى (١).
وأما والده أبو داود (٢) فهو: سليمان بن الأشعث بن إسحق بن بشير بن شداد بن عمر بن عمران الأزدي، الإمام المتقن أبو داود السجستاني حافظ زمانه وإمام عصره وأوانه، وهو ممن رحل وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين
_________________
(١) = قال ابن قدامة فى المغني عند كلامه على مسألة: الرجل تفوته الصلاة على الجنازة قال: "وجملة ذلك أن من فاتته الصلاة على الجنازة فله أن يصلى عليها ما لم تدفن فإن دفنت فله أن يصلى على القبر إلى شهر. هذا قول أكثر أهل الحلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم. . . ثم ساق الأدلة على ذلك ومنها أن النبي -ﷺ- ذكر رجلا مات فقال: دلوني على قبره فأتى قبره فصلى عليه متفق عليه" انتهى. الإحتمال الثاني: تكرر الصلاة عليه من إمام واحد وجماعة واحدة ومن رجل واحد والصلاة على هذه الصفة فيها خلاف ين العلماء فمنعها الحنابلة وعند الشافعية فيها وجهان: الأول: الاستحباب. الثاني: المنع. للتفصيل راجع: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٩١)؛ والمجموع للنووي (٥/ ٢٤٤) وما بعدها.
(٢) انظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٥٤ - ٥٥).
(٣) ترجمة أبي داود فى المصادر الآتية: تاريخ بغداد (٩/ ٥٥ - ٥٦)، وطبقات الحنابلة (١/ ١٥٩ - ١٦٢)؛ والمنتظم (٥/ ٩٧ - ٩٨)، ووفيات الأعيان (٢/ ٤٠٤)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٩١ - ٥٩٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٠٣)؛ والبداية والنهاية (١١/ ٥٤ - ٥٦)؛ وتهذيب الكمال (١١/ ٣٥٥)، وطبقات الحفاظ (ص ٢٦١)؛ ومختصر تاريخ دمشق (١٠/ ١٠٩) وغيرها.
[ ١ / ١١٣ ]
والشاميين والمصريين، سمع سيدنا الإمام أحمد (١) ومسلم (٢) بن إبراهيم وسليمان (٣) بن حرب، وأبا عمر الحوضي (٤) وأبا الوليد الطيالسي (٥) وخلقًا سواهم.
روي عنه ابنه عبد اللَّه المتقدم ذكره (٦) وأبو عبد الرحمن النسائي (٧) وأبو بكر النجاد (٨) وأبو الحسين بن المنادي (٩) وأبو بكر
_________________
(١) الإمام أحمد تقدم (١/ ١١١).
(٢) فى النسختين: سليمان بن إبراهيم والتصويب من تاريخ بغداد وغيره من مصادر ترجمة أبي داود. وهو مسلم بن إبراهم الأزدي الفراهيدى أبو عمرو البصري، ثقة مأمون مكثر عمي بآخره، مات سنة ٢٢٢ هـ، وهو أكبر شيخ لأبي داود. تقريب (ص ٣٣٥).
(٣) سليمان بن حرب الأزدي البصري القاصي بمكة، ثقة إمام حافظ توفى سنة ٢٢٤ هـ. تقريب (ص ١٣٣).
(٤) حفص بن عمر بن الحارت الحوضي أبو عمر الأزدي البصري، محدث ثقة حافظ، مات سنة ٢٢٥ هـ. سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٥٤)؛ وتقريب (ص ٧٨).
(٥) أبو الوليد الطيالسي: هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم أبو الوليد الطيالسي البصري، ثقة ثبت، مات سنة سبع وعشرين ومائتين هـ. تقريب (ص ٣٦٤).
(٦) انظر (١/ ٩٨).
(٧) أحمد بن شعيب بن علي بن سنان أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، إمام محدث حافظ ثبت، مات سنة ٣٠٢ هـ. سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٢٥)؛ وتهذيب الكمال (١/ ٣٢٨).
(٨) أبو بكر النجاد: أحمد بن سلمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس المعروف بالنجاد أبو بكر محدث فقيه صدوق، مات سنة ٣٤٨. تاربخ بغداد (٤/ ١٨٩)؛ وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٠٣).
(٩) أحمد بن جعفر بن محمد بن عبد اللَّه بن أبي داود بن المنادي أبو الحسين البغدادي، =
[ ١ / ١١٤ ]
الخلال (١) وأبو بكر ابن داود الأصبهاني (٢).
وسمع منه سيدنا الإمام أحمد حديثًا واحدا (٣) من في رواية الأكابر عن الأصاغر (٤).
_________________
(١) = محدث حافظ مقرئ صاحب تصانيف، مات سنة ٣٢٦. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٦١).
(٢) أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي المشهور بالخلال أبو بكر محدث فقيه حافظ، مات سنة ٣١١ هـ. سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٩٧).
(٣) أبو بكر بن داود: محمد بن داود بن علي الظاهري، عالم أديب فقيه، وهو مؤلف كتاب الزهرة في الأدب والشعر، مات سنة ٢٩٧ هـ. سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٠٩).
(٤) الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أبي داود هو كما ذكره الخطيب بسنده عن عبد اللَّه بن سليمان عن أبيه. . بسنده إلى أبي العشرا الدارمي عن أبيه أن رسول اللَّه -ﷺ- سئل عن العتيرة فحسنها، قال ابن أبي داود قال أبي فذكرته لأحمد ابن حنبل فاستحسنه وقال: هذا حديث غريب، وقال لي: اقعد فدخل فأخرج محبرة وقلما وورقة وقال أمله علي فكتبه عني، ثم شهدته يومًا آخر وجاءه أبو جعفر بن أبي سمينة فقال له أحمد ابن حنبل يا أبا جعفر عند أبي داود حديث غريب أكتبه عنه فسألني فأمليته عليه. تاريخ بغداد (٩/ ٥٧ - ٥٨). ومعنى العتيرة في الحديث: شاة كان العرب في الجاهلية يذبحونها في العشر الأول من شهر رجب لأصنامهم وتسمى الرجبية وقد كانت تفعل في صدر الإسلام ثم نهى عنها. راجع المغني لابن قدامة (١١/ ١٢٥ - ١٢٦)؛ ومختصر سنن أبي داود للمنذري (٤/ ٩٢، ١٢٢)؛ والنهاية في غريب الحديث (٣/ ١٧٨).
(٥) رواية الأكابر عن الأصاغر: أن يروي الكبير القدر أو السن أو هما عمن دونه في كل منهما أو فيهما. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث (ص ١٩٥).
[ ١ / ١١٥ ]
سكن أبو داود الإمام البصرة وقدم بغداد غير مرة، وروى كتابه المصنف في السنن بها ونقله عنه أهلها، ويقال إنه صنفه قديمًا وعرضه على سيدنا الإمام أحمد فاستجاده (١) واستحسنه.
وهو أحد الكتب الستة.
قال أبو داود رحمه اللَّه تعالى: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل ﵁ أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدع أترك كلامه؟ قال: لا، أولًا تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فالحقه به (٢).
وسألته عن ملك يوم الدين أو مالك يوم الدين أنهما أحب إليك، قال: مالك أكثر ما جاء في الحديث (٣).
قال أبو داود ﵁: "كنت عن رسول اللَّه -ﷺ- خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمته هذا الكتاب -يعني كتاب السنن- جمعت فيها أربعة آلاف وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث (٤).
_________________
(١) في "أ" فاستجازه وما أثبتنا في "ظ" وهو الموافق لما في تاريخ بغداد، وفي سير النبلاء (١٣/ ٢٠٩)؛ وفي طبقات الحنابلة: فأجازه واستحسنه. ولعل ما أثبتنا هو الصحيح. انظر تاريخ بغداد (٩/ ٥٦)؛ وطبقات الحنابلة (١/ ١٦٠).
(٢) النص في طبقات الحنابلة (١/ ١٦١).
(٣) انظر: النص في طبقات الحنابلة (١/ ١٦١)؛ وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود (ص ٢٨٥).
(٤) علق الذهبي ﵀ على قوله: يكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث بقوله: =
[ ١ / ١١٦ ]
أحدها: قوله ﵇: "الأعمال بالنيات" (١).
والثاني: قوله ﵇: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٢).
والثالث: قوله ﵇: "لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضي لنفسه" (٣).
والرابع: قوله ﵇: "الحلال بين والحرام بين. . . " (٤). الحديث.
_________________
(١) = فيكفي الإنسان لدينه. . . ممنوع بل يحتاج المسلم إلى عدد كثير من السنن الصحيحة مع القرآن. السير (١٣/ ٢١٠). قلت ومراد أبي داود ﵀ أن هذه الأحاديث من أصول الدين وقواعده الأساسية التي يندرج تحتها الكثير من الأحكام وإن كان المسلم يحتاج إلى غيرها من السنن. واللَّه أعلم.
(٢) حديث مشهور رواه البخاري في صحيحه رقم (١) في بدء الوحي (١/ ١٥)؛ ومسلم رقم (١٩٠٧) في الإمارة باب قول النبي -ﷺ- "إنما الأعمال بالنية"؛ ورواه أصحاب السنن جامع الأصول (١١/ ٥٥٥).
(٣) حديث صحيح بشواهده: أخرجه من حديث أبي هريرة الترمذي (٢٣١٧)؛ وابن ماجة (٣٩٧٦)؛ وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٢٦٨)؛ وفي صحيح سنن ابن ماجة رقم (٣٩٧٩)، وأخرجه من حديث الحسين بن علي أحمد في المسند (١/ ٢٠١)؛ والطبراني في الكبير (٣/ ١٣٨)، وفي الأوسط (٣/ ٤٢٠)، وفي الصغير (٢/ ٤٣، ١١١)؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٨)؛ رواه أحمد والطبراني في الثلاثة ورجال أحمد والكبير ثقات؛ وأخرجه مالك في الموطأ عن علي بن الحسين موقوفًا (٢/ ٩٠٣)؛ وانظر التمهيد (٣/ ١٩٥)؛ وصحيح الجامع الصغير (٥/ ٢١٦).
(٤) الحديث متفق عليه رواه البخاري، فتح الباري (١/ ٧٣)؛ ومسلم في الإيمان (ص ٤٥) من حديث أنس بن مالك.
(٥) متفق عليه رواه البخاري في الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه (١/ ١٦)؛ ومسلم في المساقات: باب أخذ الحلال وترك الشبهات (١٥٩٩) عن النعمان بن بشير ﵁.
[ ١ / ١١٧ ]
قال إبراهيم الحربي: "لما صنف أبو داود هذا الكتاب أُلين له الحديث كما أُلين لداود الحديد" (١).
وروي أن سنن أبي داود قرئت على ابن الأعرابي (٢) فأشار إلى النسخة وهي بين يديه (٣) فقال لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب اللَّه ﷿، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة (٤).
وجاء لأبي داود سهل بن عبد اللَّه التستري (٥) رحمه اللَّه تعالى فقيل له يا أبا داود هذا سهل بن عبد اللَّه قد جاءك زائرًا قال فرحب به وأجلسه، فقال: يا أبا داود لي إليك حاجة، قال وما هي؟، قال حتى تقول لي قد قضيتها، قال قد قضيتها مع الإمكان، قال أخرج لسانك الذي حدثت به عن رسول اللَّه -ﷺ- حتى أقبله، قال: فأخرج لسانه فقبله (٦).
وقال أبو العلا المحسن (٧) الواذاري: "رأيت النبي -ﷺ- في المنام فقال: من أراد
_________________
(١) انظر النص في: طبقات الحنابلة (١/ ١٦٢)؛ وفي سير أعلام النبلاء (٣/ ٢١٢).
(٢) ابن الأعرابي: أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم أبو سعيد ابن الأعرابي البصري إمام محدث صدوق، حمل السنن عن أبي داود مات سنة أربعين وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ (٣/ ٨٥٢)؛ وسير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٠٧) وما بعدها.
(٣) في "أ" بين يده والمثبت من "ظ" ومن طبقات الحنابلة (١/ ١٦٢) ولعله الصحيح.
(٤) انظر النص في: طبقات الحنابلة (١/ ١٦٢).
(٥) سهل بن عبد اللَّه التستري أبو محمد أحد أئمة الصوفية وعلمائهم، مات سنة ٢٨٣. الأعلام (٣/ ١٤٣).
(٦) النص في سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢١٣)؛ وفي وفيات الأعيان (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).
(٧) في النسختين: أبو العلا الحسن الداودي. وما أثبته من الأنساب للسمعاني واللباب لابن الأثير، قال في الأنساب: الواذاري بفتح الواو والدال المعجمة بين الألفين وفي آخرها الراء هذه النسبة إلى واذر وهي قرية من قرى =
[ ١ / ١١٨ ]
أن يستمسك بالسن فليقرأ كتاب أبي داود" (١).
فائدة:
ذكر الحافظ ابن حجر (٢) في شرح البخاري أن الإمام الحافظ يوسف بن عبد البر (٣) إمام المغرب أخرج بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن -يعني صاحب الترجمة- أنه كان في سفينة فسمع عاطسًا على الشط حمد فأكثرى قاربًا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع فسئل عن ذلك فقال: لعله يكون مجاب الدعوة، فلما وقد سمعوا قائلًا يقول: يا أهل السفينة إن أبا داود اشترى الجنة من اللَّه بدرهم (٤).
_________________
(١) = أصبهان والمشهور بالنسبة إليها: أبو العلا المحسن بن إبراهيم بن أحمد الواذاري، توفي بعد الأربعمائة، وكذلك قال في اللباب؛ الأنساب (١٣/ ٢٥٢)؛ واللباب (٣/ ٣٤٥)؛ وانظر معالم السنن للخطابي (١/ ١٩)؛ والمنهل العذب المورود (١/ ١٦)، وتهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٧).
(٢) النص ذكره الخطابي في معالم السنن (١/ ٩)؛ ونقله عنه النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٢٢٧)؛ ومحمود السبكي في المنهل العذب (١/ ١٦).
(٣) ابن حجر: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، حافظ عصره وأحد أئمة علم الحديث له مصنفات كثيرة منها: فتح الباري في شرح صحيح البخاري؛ والإصابة في معرفة الصحابة وغيرها، مات سنة ٨٥٢ هـ. الضوء اللامع (٢/ ٣٦)، البدر الطالع (١/ ٨٧)، الأعلام (١/ ١٧٨).
(٤) يوسف بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الأندلسي القرطبى المالكي أبو عمر الإمام العلامة حافظ المغرب وصاحب التصانيف الفائقة منها التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، طبع كاملًا في ستة وعشرون مجلدًا، ومنها الإستيعاب في معرفة الأصحاب وغيرها، مات سنة ٤٦٣ هـ. سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٥٣)؛ وترتيب المدارك (٨/ ١٢٧).
(٥) انظر: فتح البارى (١٠/ ٦٢٦).
[ ١ / ١١٩ ]