وكانت ولادة أبي داود سليمان بن الأشعث ﵁ سنة (اثنتين) (١) ومائتيين، وتوفى في البصرة يوم الجمعة منتصف شوال سنة خمس وسبعين ومائتين ﵀ ورضي عنه (٢).
المقصد (٣) الثاني (٤): في الإشارة إلى مذهب السلف وبيان حقيقته وأنه أسلم المذاهب وأعلم وأحكم وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار وسائر أصحاب النبي المختار -ﷺ-، والذين اتبعوهم بإحسان وأئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم وتقدمهم والإقتداء بهم واتباعهم والسير بسيرهم والنهج على منوالهم فإن اللَّه ﷾ بعث نبيه وحبيبه ورسوله محمدًا -ﷺ- بالهدى ودين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا وأمره (٥) أن يقول: ﴿. . . قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].
فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذى أخرج به الناس من الطمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة
_________________
(١) فى النسختين سنة اثنين والصحيح ما أثبته.
(٢) انظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٦٢).
(٣) كتب فى هامش "ظ" هنا: بلغ مقابلة.
(٤) من هنا إلى آخر هذا المبحث نقله المصنف من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فى الفتوى الحموية الكبرى (ص ٨٧ - ٩٢) مع بعض الزيادات. وقد استعنت في تصحيح بعض الكلمات هنا بنص الحموية.
(٥) في "ظ" فى الهامش: ﷺ وكتب عليها صح.
[ ١ / ١٢٠ ]
وهو يدعو الى اللَّه وإلى سبيله، بإذنه على بصيرة وقد أخبر تعالى بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته، فمحال مع هذا وغيره أن يكون ترك باب الإيمان باللَّه والعلم به ملتبسًا (١) مشتبهًا ولم يميز ما يجب للَّه من الأسماء الحسنى والصفات العلى، وما يجوز عليه وما يستحيل فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية وأوجب وأفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول.
فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول (٢) وأفضل خلق اللَّه بعد (٣) النبيين والمرسلين لم يحكموا هذا الباب إعتقادًا ولم يتقنوه قولًا واعتمادًا مع أن النبي -ﷺ- علم أمته كل شيء حتى الخراءة (٤).
وقال: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (٥).
وقال النبي -ﷺ- فيما صح عنه "ما بعث اللَّه نبيًّا إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينهاههم عن شر ما يعلمه لهم" (٦).
_________________
(١) في المخطوطتين متلبسا، وما أثبته من الحموية لابن تيمية (ص ٨٨) ضن مجموع النفائس، وهو الصحيح.
(٢) بعد هذه الكلمة في "ظ": الذى هو.
(٣) في "ظ" من.
(٤) هذا الحديث عن سليمان ﵁ قيل له: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل لقد نهانا -ﷺ- أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي باليمين ولا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وأن لا نستنجي برجيع أو عظم". رواه مسلم في الطهارة رقم (٢٦٢)؛ وأبو داود في الطهارة رقم (٧).
(٥) الحديث رواه ابن ماجة في المقدمة (١/ ١٦) رقم (٤٣)، وأحمد في المسند (٤/ ١٢٦)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩) عن العرباض بن سارية وقال الألباني: صحيح.
(٦) رواه مسلم (٣/ ١٤٧٣) عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.
[ ١ / ١٢١ ]
وقال أبو ذر الغفاري ﵁: "لقد توفى رسول اللَّه -ﷺ- وما من طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا (١) منه علمًا" (٢).
وقال عمر بن الخطاب ﵁ قام فينا رسول اللَّه -ﷺ- مقامًا فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه" رواه البخاري (٣).
فمحال مع (٤) تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين وإن دقت (٥) أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم رب العالمين الذي معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد والوصول إليه غاية المطالب هذه (٦) خلاصة الدعوة النبوية وخلاصة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب (٧) قد وقع من الرسول -ﷺ- على غاية التمام والكمال، ثم إذا كان وقع ذلك منه فمن المحال أنّ خير أمته وأفضل قرونها
_________________
(١) إلا ذكرنا منه علمًا كذا في النسختين وهي رواية في المسند؛ وفي الحمرية (ص ٨٨): إلا ذكر لنا منه علمًا.
(٢) رواه أحمد في المسند (٥/ ١٥٣، ١٦٢)، والطبرانى في الكبير (٢/ ١٦٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٣): ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم.
(٣) في صحيحه كتاب بدء الخلق باب ما جاء في قول اللَّه تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (٦/ ٣٣١) رقم (٣١٩٢).
(٤) في النسختين بعد كلمة مع: (هذا) ولا يستقيم الكلام مع وجودها وما أثبته من الحموية (ص ٨٨).
(٥) في النسختين: وإلا يترك والمثبت من الحموية.
(٦) في "ظ": هذا هو.
(٧) في "ظ": هذه الباب.
[ ١ / ١٢٢ ]
قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه.
ثم من المحال -أيضًا- أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيهم رسول اللَّه -ﷺ- ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين وقائلين في هذا الباب بالحق المبين لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق وكلاهما ممتنع.
أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم ونهمة للعبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه من أكبر مقاصده وأعظم مطالبه -أعني بيان ما يعتقده- لا كيفية الرب تعالى وكيفية صفاته. وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر (وهذا أمر) (١) معلوم بالفطرة الوجدانية (٢)، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم، هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضًا عن اللَّه وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر اللَّه فكيف يقع في أولئك وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم.
ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن سطره (٣) في مثل هذا المختصر، يعرفه من تتبعه وطلبه، فزعم من زعم أن الخلف أعلم من السلف غباوة وجهل بقدر القوم بل ذلك جهل بمعرفة اللَّه ورسوله والمؤمنين به فإن حقيقة المعرفة المأمور بها في طريقة السلف ونهجهم أسلم وأعلم وأحكم.
_________________
(١) زيادة من الحموية وبها يستقيم الكلام.
(٢) في النسختين: الوجدية وما أثبتناه من الحمويه.
(٣) في "ظ": تسطيره.
[ ١ / ١٢٣ ]
وأما زعم من زعم أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم فكذب وافتراء وتمويه على الناس، لأنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه، بل بمنزلة الأميين الذين قال اللَّه تعالى فيهم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨].
وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة الفاسدة، التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر وقد كذبوا على طريقة السلف وظلموا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين الجهل والظلم.
وسبب ذلك إعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شركوا (١) فيها الفلاسفة والمعطلين فلما أعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لابد للنصوص من معان ارتبكوا بين الإيمان بالألفاظ وتفويض المعاني وهي التي يسمونها طريقة السلف وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة الخلف، فصار هذا مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع فإن النفي إنما اعتمدوا في على أمور عقلية ظنوها بينات وهي في نفس الأمر شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلام عن مواضعه فلما ابتنى أمرهم علي هاتين المقدمتين كانت النتيجة استجهل السابقين الأولين واستبلاههم واعتقاد أنهم (٢) كانوا قومًا أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم باللَّه تعالى ولم تفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في
_________________
(١) كذا في "أ" وفي "ظ": أشركوا.
(٢) في المخطوطتين: واعتقادهم أنهم كانوا. . . وما أثبتنا من الحموية (ص ٨٨).
[ ١ / ١٢٤ ]