بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اعلم أني في جميع الكتب التي وقفت عليها مما هذه القصيدة مذكورة فيها لم أر من صدرها بالبسملة. وذلك لأني إنما وقفت عليها في ترجمة ناظمها وليس من عادة المترجمين ذكر البسملة في أول منظومات العلماء.
ويحتمل أن الناظم قدس اللَّه روحه لم يأت بها في أول منظومته إما لهضم نفسه بأن منظومته ليست من الأمور التي يهتم بها ويحتفل بشأنها فهي عنده ليست من أمر ذي بال (١).
أو يكون ترك البسملة لورود النهي عن الإتيان بها في الشعر فقد جاء عن الشعبي (٢) رحمه اللَّه تعالى منع ذلك.
وعن الزهري (٣) قال مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
_________________
(١) قلت هذه المنظومة تمثل أهم قضايا العقيدة، وقد نظمها الناظم ﵀ ليرد بها على أهل الأهواء والبدع. ورواها عنه تلاميذه حتى تواترت عنه وأهتم بها العلماء قديمًا وحديثًا. وصنفوا لها الشروح فهي من الأمور المهمة. لكن لعلة ترك البسملة كما ذكر المؤلف لورود النهي عن كتابتها في الشعر أو للتعليل الأول الذي ذكره المؤلف. واللَّه أعلم.
(٢) الشعبي: عامر بن شراحيل الشعبي بفتح المعجمة أبو عمرو إمام فقيه ثقة مشهور فاضل، مات بعد المائة. تقريب (ص ١٦١).
(٣) الزهري: محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب القرشي الزهري وكنيته =
[ ١ / ١٥٦ ]
وعن سعيد (١) بن جبير ﵀ جواز ذلك.
وتابعه على ذلك الجمهور واختاره غير واحد من أهل العلم ما لم يكن محرمًا أو مكروهًا.
وأما ما كان متعلقًا بالعلم كهذه المنظومة فتصديره بالبسملة محل وفاق (٢).
اقتداء بالكتاب العظيم وتأسيًا بالنبي الكريم وامتثالًا لقوله -ﷺ-: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فهو أبتر" -أي ذاهب البركة-.
رواه الخطيب في كتابه "الجامع" (٣).
وفي رواية فهو أقطع. وفي أخرى أجذم.
وقد ذكر العلامة أبو بكر التونسي (٤) من المالكية إجماع علماء كل ملة على أن
_________________
(١) = أبو بكر الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه، مات سنة خمس وعشرين ومائة وقيل قبل ذلك. تقريب (ص ٣١٨).
(٢) سعيد بن جببر الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه مفسر، قتل بين يدي الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين ولم يكمل الخمسين. تقريب (ص ١٢٠).
(٣) انظر: حول الخلاف في كتابة البسملة في الشعر ورأى هؤلاء العلماء في تفسير القرطبي (١/ ٩٧)؛ والجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٦٣)؛ والفروع لابن مفلح (١/ ٤١٣ - ٤١٤)؛ ولوامع الأنوار (١/ ٣٤).
(٤) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ٦٩)؛ ورواه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى (١/ ١٢) من طريق الحافظ الرهاوي من رواية أبي هريرة ﵁. قال الألباني في تخريج أحاديث منار السبيل (١/ ٢٩) رقم ١ إسناده ضعيف جدًا.
(٥) أبو بكر بن إسماعيل بن شهاب الدين عمر بن علي الشنواني، تونسي الأصل نحوي، ولد في شنوان بالمنوفية بمصر. وتعلم في القاهرة وبها وفاته وله كتب كلها شروح وحواش =
[ ١ / ١٥٧ ]