صياد إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله (١) فلا يجوز حذف النون فلا يقال: إن يكه ولا إن لا يكه وإن كان غير ضمير متصل جاز الحذف والإثبات نحو: لم يكن زيد قائمًا، ولم يك زيد قائما (٢).
واسمها في النظم عائد على المخاطب وبدعيًا خبرها أي ولا تكن صاحب بدعة أي مرتكبا غير سبيل السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المقتدى بأقوالهم وأفعالهم.
وأصل هذه الكلمة من الإختراع وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذى ولا ألف مثله ومنه قولهم أبدع اللَّه الخلق أي خلقهم ابتداء ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧].
وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض.
قال العلامة الفاضل أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي (٣) المالكي في
_________________
(١) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (٣/ ٢٥٨) رقم (١٣٥٤)؛ ومسلم رقم (٢٩٢٤) عن عبد اللَّه بن عمر ﵄.
(٢) انظر: هذا المبحث في شرح ابن عقيل (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، وشرح قطر الندى لابن هشام (ص ١٣٨ - ١٣٩).
(٣) أبو بكر الطرطوشي: محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي أبو بكر الطرطوشي أديب من فقهاء المالكية الحفاظ من أهل طرطوشه بشرقي الأندلس تفقه ببلاده ثم رحل إلى المشرق سنة ٤٧٦ هـ، فحج وزار العراق ومصر وفلسطين ولبنان وأقام مدة في الشام ثم سكن الاسكندرية فتولى التدريس واستمر فيها إلى أن توفى بها سنة ٥٢٠ هـ. انظر: فهرسة شيوخ القاضي عياض (ص ٦٢)؛ والأنساب (٩/ ٦٩)؛ والسير (١٩/ ٤٩٠)؛ والصلة (٢/ ٥٧٥)؛ والأعلام (٧/ ١٣٣).
[ ١ / ١٧١ ]
كتابه (١): "وهذا الإسم يدخل فيما تخترعه القلوب وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (٢)، وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ ومثله لفظ المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم (٣).
وأما من حيث أصل الإشتقاق فإنه يقال: ذلك فى المدح والذم لأن المراد أنه شيء مخترع على غير مثال سبق ولهذا يقال في الشيء الفائق جمالًا وجودة: ما هو إلا بدعة.
قال (٤) والبدعة: الحدث في الدين بعد الكمال وهو ما لم يكن في عصر النبي -ﷺ- مما فعله أو أقر عليه، أو علم من قواعد شريعته الإذن فيه وعدم النكير عليه. وفي معنى ذلك ما كان في عصر الصحابة ﵃ مما أجمعوا عليه قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وكذا ما اختلفوا فيه فإن اختلافهم رحمة مهما كان للإجتهاد والتردد مساغ وليس لغيرهم إلا الإتباع دون (٥) الإبتداع (٦).
_________________
(١) الحوادث والبدع (ص ٣٨ - ٣٩).
(٢) نهاية كلام الطرطوشي. وانظر في هذا المبحث الإعتصام (١/ ٣٦ - ٣٧).
(٣) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٧ - ١٨).
(٤) أى: الجوهرى في الصحاح (٣/ ١١٨٤)؛ ونقله عنه أبو شامة فى الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٨) وعنه الشارح هنا.
(٥) اختلف العلماء في تحديد معنى البدعة شرعًا: فمنهم من جعلها في مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة في تحديد كل ما أحدث بعد عصر الرسول -ﷺ- سواء كان محمودًا أو مذمومًا. ولعل أحسنها وأوضحها: الطريقة المخترعة في الدين تضاهي الشرعية يقصد بها التقرب إلى اللَّه ولم يقم على صحتها دليل شرعي صحيح أصلًا أو وصفًا. انظر الأعتصام للشاطبي (١/ ٣٧)؛ والبدعة وأثرها السيئ في الأمة (ص ٦) سليم الهلالي.
(٦) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ١٨).
[ ١ / ١٧٢ ]
فإن قلت المحدثات منقسمة إلى بدع مستحسنة وإلى بدع مستقبحة (١) كما قال
_________________
(١) لخص الدكتور ناصر العقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" حول مفهوم البدعة فقال: لقد أخطأ كثير من الناس في العصور المتأخرة فى مفهوم البدعة وأحكامها، فقالوا: بأن البدعة تنقسم إلى حسنة وقبيحة وأنه ليست كل بدعة ضلالة وأن ما ارتضاه المسلمون وتعارفوا عليه لا يكون بدعة، وهذه المفاهيم كلها إنما حدثت بعد القرون الثلاثة الفاضلة. قال: فاستطاع المؤلف -يعني ابن تيمية- أن يؤصّل لهذه المسألة ويستقرئ أدلتها ويبين أحكامها ووجه الخطأ فيها على النحو التالي ويبين أن كل بدعة ضلالة بصريح السنة ومنطوقها حيث ذكر الرسول -ﷺ-: "أن كل بدعة ضلالة" وأن شر الأمور محدثاتها، وأن كل محدثة بدعة، وما زعمه بعض الناس من أنه ليس كل بدعة ضلالة فهو مصادم لقول الرسول -ﷺ- ومشاقة له. إن البدع التي هي محل الكلام هنا هي ما أحدثه الناس فى العبادات وشعائر الدين وشرائعه كالأعياد المحدثة والبدع التي أحدثها الناس حول القبور والمزارات والمشاهد والموالد. وكالصلوات المحدثة مثل صلاة الرغائب، والصلاة الألفية، والصيام المحدث مثل صيام أول خميس من رجب ونحو ذلك من المبتدعات التي يتعبد الناس بها أو تصير من شعائرهم وسماتهم الدينية فهذه الأصل فيها أن لا يشرع منها إلا ما شرعه اللَّه. أما العادات فالأصل فيها الإباحة إلا ما حرمه اللَّه. مسألة إن كل بدعة فى الدين ضلالة محرمة هذا مما أجمع عليه الصحابة والسلف الصالح ولم تنتشر البدع إلا بعد القرون الثلالة الفاضلة حين صارت للروافض والقرامطة دولة وكثرت الطرق الصوفية النكدة. إن ما اعتاده بعض الناس أو حتى أكثرهم فى بلاد المسلمين من الإقرار ببعض البدع وعملهم لها وسكوت بعض العلماء عنها وعمل بعضهم لها ودعوة آخرين لها كل هذا لا يصلح دليلًا على أنها بدع حسنة ومقبولة ومرضية فى دين اللَّه لأن الدليل المجمع عليه إنما هو كتاب اللَّه أو سنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين والإجماع وهذه الأصول كلها تبطل البدع أما مجرد أعمال وأقوال تصدر من بعض المسلمين أو أكثرهم وإن سموا علماء فهذا لا يصير دليلا بالإجماع. استدل بعضهم على أن بعض البدع حسنة فى الدين بقول عمر فى صلاة التراويح (نعمت =
[ ١ / ١٧٣ ]
الإمام الشافعي (١) ﵁: البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة فما وافق السنة فهو محمود وما خالف السنة فهو مذموم (٢) واحتج قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في قيام رمضان "نعمت البدعة" (٣).
_________________
(١) = البدعة) وأنه سنها وأقره الصحابة على ذلك. لكن المؤلف يرد هذا بأن صلاة التراويح لها أصل في السنة وأن الرسول -ﷺ- صلاها وصلاها الصحابة خلفه، وأنه تركها خشية أن تفرض فبقيت مسنونة بعد توقف الوحي وإنقطاع احتمال فرضها. ثم إن قول عمر لا يرد به قول الرسول "كل بدعة ضلالة" لأن تسمية عمر لها "بدعة" تسمية لغوية إذ مفهوم البدعة في اللغة أوسع منه في الشرع. فلا تعني تسمية عمر لها "بدعة" أنها بدعة في الدين. انتهى. اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٥٥ - ٥٦). وقال الحافظ بن رجب: وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك من البدع اللغوية لا الشرعية ثم ذكر قول عمر: "نعمت البدعة". ثم أورد قول الشافعي: البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة، وقال ومراد الشافعي ﵁ ما ذكرناه من قبل أن أصل البدعة المذمومة ما ليس له أصل في الشريعة ترجع إليه وهي البدعة في إطلاق الشرع. وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه. وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السنة. انتهى. جامع العلوم (٢/ ٢٩١ - ٢٩٤).
(٢) الشافعي: محمد بن إدريس بن العباس أبو عبدالله القرشي ثم المطلبي الشافعي المكي الإمام عالم العصر وفقيه الملة صنف التصانيف ودون العلم من أئمة المسلين وعلمائهم المقتدى بهم، توفى سنة أربع ومائتين. سير أعلام النبلاء (٥/ ١٠)؛ وتقريب (ص ٢٨٩).
(٣) النص عن الشافعي رواه أبو نعيم في الحلية (٩/ ١١٣)؛ وذكره أبو شامة في كتابه الباعث (ص ٢٠).
(٤) رواه البخاري في صحيحه (٣/ ٣٩) ومالك في الموطأ (١/ ١١٤).
[ ١ / ١٧٤ ]
وقال الشافعي أيضًا: المحدثات من الأمور ضربان:
أحدهما ما أحدث يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا وإجماعا فهذه البدعة الضلالة.
والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لو أحدث من هذا فهي محدثة غير مذمومة (١).
قلت الأمر كذلك ولكن تسمية المستحسن من ذلك بدعة على سبيل التوسع والمجاز وإلا فالبدع المراد بها ما خالف المشروع وتعدى به إلى الممنوع.
وأما المحدثات الحسنة فجائزة ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب (٢) مثل
_________________
(١) رواه البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٦٩)؛ وفي المدخل إلى السنن الكبرى (ص ٢٠٦) وذكره أبو شامة في الباعث (ص ٢٠).
(٢) قسم العز بن عبد السلام البدعة إلى خمسة أقسام:
(٣) واجبة.
(٤) محرمة.
(٥) مندوبة.
(٦) مكروهه.
(٧) مباحة. وذكر أن الطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة ثم ذكر أمثلة للبدع الواجبة مثل الإشتغال بما به يفهم كتاب اللَّه وكلام رسول اللَّه. وحفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة. والمندوبة: مثل إحداث الربط والمدارس وبناء القناطر. ورد علي الشاطبي في الإعصام وقال: إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو في نفسه متدافع لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان منالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة. ولكان العمل داخلًا فى عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها. قلت: وما ذهب إليه الشاطبي هو الرأى الصحيح، وهو أن البدعة واحدة وهي التي لا دليل عليها من الشرع وأن كل بدعة ضلالة كما جاء فى الحديث الصحيح. انظر: القواعد الكبرى (٢/ ١٩٥)؛ والاعتصام (١/ ١٩١ - ١٩٢)؛ البدعة وأثرها السيء فى الأمة (ص ٣٩ - ٤٠).
[ ١ / ١٧٥ ]
بناء المنابر والربط والمدارس والمارستانات (١) وخانات السبيل وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد فى الصدر الأول فإن فعل ذلك موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى (٢).
ومن أعظم ذلك صنعا وأحسنه وضعا وأعمه نفعا تصانيف الكتب فى جميع العلوم النافعة الشرعية على اختلاف فنونها وتقرير قواعدها وتقسيمها وتقريبها وتعليمها وكثرة التفريعات وفرض المسائل التي لم تقع وتحقيق الأجوبة عنها وتفسير الكتاب العزيز والأخبار النبوية، والكلام على الأسانيد والمتون والجرح والتعديل ولواحق ذلك.
وتتبع كلام العرب نثره ونظمه وتدوين كل ذلك وإستخراج علوم جمة منه كالنحو والمعاني والبيان والقوافي والأوزان، فهذا كله وما شاكله معلوم حسنه، ظاهرة فائدته معين على معرفة أحكام اللَّه تعالى وفهم معاني كتابه وسنة رسوله -ﷺ- فكل ذلك مأمور به ولا محذور فيه (٣).
وأما البدع المستقبحة فهي التي أطلق العلماء ذمها والمراد هنا بالبدع الإعتقادية المخالفة لما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين المعول عليهم والمشهود لهم بالتمكين والمجمع على إمامتهم بين علماء أهل السنة العاملين.
_________________
(١) المارستان: بفتح الراء، دار المرضى وهو معرب، صحاح الجوهري، مرسى.
(٢) انظر هذا المبحث في الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٢١)؛ والقواعد الكبرى لابن عبد السلام (٢/ ١٩٥)، والاعتصام للشاطبي (١/ ١٨٨) وما بعدها.
(٣) انظر: الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٢١ - ٢٢).
[ ١ / ١٧٦ ]
قال الحافظ ابن رجب (١): " (٢) يتعين في هذه الأزمنة التي بعد العهد فيها بعلوم السلف ضبط ما نقل عنهم ليتميز به ما كان من العلوم موجودًا في زمانهم وما حدث من ذلك بعدهم فتعلم بذلك السنة من البدعة.
وقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول (٣).
وروى ابن مهدي (٤) عن الإمام مالك (٥) ﵁ قال: "لم يكن شيء من هذه الأهواء في زمن النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ (٦).
_________________
(١) ابن رجب: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي أبو الفرج زين الدين الحنبلي حافظ للحديث فقيه مؤرخ من العلماء، ولد في بغداد ونشأ وتوفى في دمشق من كتبه: شرح جامع الترمذي؛ وجامع العلوم والحكم ط؛ وفضائل الشام؛ والاستخراج لأحكام الخراج؛ والقواعد الفقهية؛ وذيل طبقات الحنابلة، جزءآن؛ وفتح الباري شرح صحيح البخاري، لم يتمه؛ وغيرها، توفى سنة ٧٩٥ هـ. الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩)؛ وابن العماد شذرات الذهب (٦/ ٣٣٩ - ٣٤٠)؛ والأعلام (٣/ ٢٩٥).
(٢) النص في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
(٣) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ٥٦)؛ والمروزي في السنة (ص ٢٤).
(٤) ابن عدى: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه، مات سنة ثمان وتسعين ومائة. تاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠)؛ وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٢٩)، وسير أعلام النبلاء (٩/ ١٩٢ - ٢٠٩).
(٥) مالك ابن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد اللَّه المدني الفقيه إمام دار الهجرة وشيخ الإسلام إمام من أئمة المسلمين وأعلامهم، توفى سنة تسع وسبعين ومائة. سير أعلام النبلاء (٨/ ٢٣)؛ وتقريب (ص ٣٢٦).
(٦) أورده ابن رجب في جامع العلوم (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
[ ١ / ١٧٧ ]
وكان مالك يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الدين من أمر الخوارج (١) والروافض (٢) والمرجئة (٣) ونحوهم ممن تكلم في تكفير المسلمين واستباحة أموالهم ودمائهم أو في تخليدهم في النار أو في تفسيق خواص هذه الأمة أو عكس ذلك فزعم أن المعاصي لا تضر أهلها وأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد.
_________________
(١) الخوارج: جمع خارج وهو الذي خلع طاعة الإمام الحق وأعلن عصيانه وألّب عليه. وأول ما ظهر من أمر الخوارج في عهد علي ﵁ حيث خرجوا عليه وكفروه لما صار إلى التحكيم وأجمعوا على تكفير أصحاب الكبائر وتخليدهم في النار ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا. مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٧ - ١٦٨)؛ الفرق بين الفرق (ص ٧٣)؛ الملل والنحل (١/ ١١٤ - ١١٥).
(٢) الروافض: طوائف من غلاة الشيعة سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر وهم مجمعون على أن النبي -ﷺ- نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه وأظهر ذلك وأعلنه وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الإقتداء به بعد وفاة النبي -ﷺ- بل تعدوا ذلك إلى الوقيعة في كبار الصحابة طعنًا وتكفيرًا وهم فرق وطوائف كثيرة وكل فرقة تكفر سائرها. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٨٨ - ٨٩)؛ والملل والنحل (١/ ١٤٦، ١٦٤)، والفرق بين الفرق (ص ٢١، ٢٩، ٥٣).
(٣) المرجئة: الإرجاء في اللغة التأخير وسموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان وهم فرق: أ- مرجئة الجهمية يقولون الإيمان المعرفة بالقلب فلا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. ب- منهم من يقول الإيمان القول باللسان وهو قول الكرامية. جـ- من يقول الإيمان التصديق بالقلب والنطق باللسان وليست الأعمال من مسمى الإيمان. وهو قول الأحناف. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣ - ٢١٤) والفرق بين الفرق (٢٠٢ - ٢٠٣) وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣).
[ ١ / ١٧٨ ]
وأصعب من ذلك كله: ما أحدث من الكلام فى أفعال اللَّه تعالى من قضائه وقدره وكذب بذلك من كذب وزعم أنه نزه اللَّه تعالى بذلك عن الظلم.
وأصعب من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات اللَّه تعالى وصفاته مما سكت عنه النبي -ﷺ- وأصحابه ﵃ والتابعون لهم بإحسان رحمهم اللَّه تعالى.
فقوم نفوا كثيرا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك وزعموا أنهم فعلوه تنزيهًا للَّه تعالى عما تقتضى العقول تنزيهه عنه وزعموا أنّ لازم ذلك مستحيل على اللَّه تعالى وقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين.
وهذه اللوازم نفيًا وإثباتًا درج صدر الأمة والرعيل الأول على السكوت عنها (١) (٢) وهو مذهب السلف واعتقاد الفرقة الناجية الذي أشار إليه الناظم رحمه اللَّه تعالى ورضي عنه.
_________________
(١) نهاية كلام ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٩٦).
(٢) يقول ابن تيمية ﵀: الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها "ستة أقسام" كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة: قسمان يقولان: تجرى على ظواهرها. وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها. وقسمان: يسكتون. أما الأولون فقسمان: أحدهما من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة ومذهبهم باطل أنكره السلف. الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال اللَّه كما يجرى ظاهر اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال اللَّه. وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه. وهو أمر واضح فإن الصفات كالذات فكما أن ذات اللَّه ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات فصفاته ثابتة من غير أن تكون من جنس =
[ ١ / ١٧٩ ]
وأراد بقوله: (ولا تك بدعيا) أي لا تكن ممن إعتقد إعتقاد أهل البدع في أصول الدين من الإثنتين وسبعين فرقة، فإنها في النار كما أخبر النبي المختار -ﷺ-: فمنهم الخوارج (١) والمرجئة (٢) والقدرية (٣)
_________________
(١) = صفات المخلوقات. وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرهما فقسان:
(٢) (قسم) يتأولونها ويعينون المراد مثل قولهم: استوى بمعنى استولى أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش أو بمعنى انتهاء الخلق إليه إلى غير ذلك من معاني المتكلمين.
(٣) (وقسم) يقولون: اللَّه أعلم بما أراد بها: لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه. وأما القسمان الواقفان: فقوم يقولون يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال اللَّه ويجوز أن لا يكون المراد صفة اللَّه ونحو ذلك وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم والسنتهم عن هذه التقديرات. ثم قال والصواب فى كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة كالآيات والأحاديث الدالة على أن اللَّه ﷾ فوق عرشه ويعلم طريقة الصواب فى هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك. مجموع الفتاوى (٥/ ١١٣ - ١١٧) باختصار.
(٤) انظر (١/ ١٧٨).
(٥) تقدمت (١/ ١٧٨).
(٦) القدرية: أتباع معبد الجهني (٨٠ هـ) أول من قال بنفي القدر وأن الأمر أنف لم يقدر اللَّه من عمله شيئا وأن الإنسان هو الفاعل للخير والشر لم يسبق به علم من اللَّه ولا تقدير. وقال: إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية وهو المجازى على فعله. . قال ويستحيل أن يخاطب العبد بإفعل وهو لا يمكنه أن يفعل. وتابعه فى بدعته غيلان الدمشقي وواصل بن عطاء الغزال =
[ ١ / ١٨٠ ]