(واتبع الهدى): أي الذي جاء به النبي المصطفى والرسول المقتدى والهدى بضم الهاء وفتح الدال المهملة الرشاد والدلالة ولو لم تكن موصلة خلافًا (١) للمعتزلة (٢).
يقال هداه هدى وهديا وهداية وهدية بكسرهما أرشده فتهدى واهتدى وهداه اللَّه الطريق دله.
قال الإمام (٣) المحقق في كتابه بدائع الفوائد: "الهداية أربعة أنواع:
أحدها: الهداية العامة المشتركة بين الخلق المذكورة في قوله تعالى ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أي أعطى كل شيء صورته التي لا يشتبه فيها بغيره وأعطى كل عضو شكله وهيئته، وأعطى كل موجود خلقه المختص به. ثم هداه لما خلقه له من الأعمال.
قال وهذه الهداية تعم الحيوان المتحرك بإرادته إلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره. قال وللجماد أيضًا هداية تليق به كما أن لكل نوع من الحيوان هداية تليق به وإن اختلفت أنواعها وصورها. وكذلك لكل عضو هداية تليق به: فالرجلين للمشي
_________________
(١) انظر لوامع الأنوار (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٢) المعتزلة: أصحاب واصل بن عطاء خالف فى حكم الفاسق من أمة محمد فجعله في منزلة بين المنزلين فلما سمع الحسن البصرى بدعته طرده من مجلسه فاعتزل عند سارية من سواري المسجد وانضم إله قرينه في الضلال عمرو بن عبيد فقال الناس أنهما قد اعتزلا قول الأمة فسموا معتزلة ثم صاروا فرقًا كثيرة ويجمعها في بدعتها أمور منها:
(٣) القول بنفي صفات الباري.
(٤) القول بخلق القرآن.
(٥) القول بالقدر.
(٦) القول بالمنزلة بين المنزلتين. انظر الفرق بين الفرق (ص ١١٤)؛ والملل والنحل (١/ ٤٤ - ٤٥).
(٧) أى: ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد (٢/ ٣٥ - ٣٧).
[ ١ / ١٦٦ ]
واللسان للكلام والعين لكشف المرئيات وهلمّ جرا، وكذا هدى الزوجين من كل حبران إلى الأزدواج والتناسل وتربية الولد، والولد (١) إلى التقام الثدي عند وضعه ومراتب هدايته تعالى لا يحصيها إلا هو.
الثاني: هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر وطريقي النجاة والهلاك (٢).
وهذه الهداية لا تستلزم الهدي التام فإنها سبب وشرط لا موجب ولهذا ينتفي الهدى معها كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أي بينا لهم وأرشدناهم ود للناهم فلم يهتدوا ومنها قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وهذه تنكرها المعتزلة.
فعندهم يلزم من الهداية الهدى فلا هداية عندهم إن لم تكن موصلة (والذكر الحكيم يرد قولهم وباللَّه التوفيق) (٣).
الثالث: هداية التوفيق والإلهام وهي الهداية المستلزمة للإهتدى فلا يتخلف عنها وهى المذكورة في قوله تعالى ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨].
وفي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]
وفي قوله -ﷺ-: "من يهدي اللَّه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له .. " (٤).
_________________
(١) أى وهدى الولد إلى التقام الثدي.
(٢) كما في قوله ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
(٣) ما بين القوسين من كلام المؤلف وليس من كلام ابن القيم.
(٤) جزء من حديث أخرجه مسلم رقم (٨٦٧) في الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة من =
[ ١ / ١٦٧ ]
وفي قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فنفى عنه هذه الهداية وأثبت له هداية الدعوة والبيان في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].
الرابع: غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة أو النار إذا سيق أهلهما إليهما قال اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩].
وقال أهل الجنة فيها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
وقال تعالى في حق أهل النار: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (١) [الصافات: ٢٢].
وفي تفسير القاضي البيضاوي (٢) رحمه اللَّه تعالى: "الهداية دلالة بلطف
_________________
(١) = رواية جابر بن عبد اللَّه ﵁. وفي حديث آخر رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁. انظر: جامع الأصول (٥/ ٦٧٩)؛ وانظر خطبة الحاجة للشيخ ناصر الدين الألباني.
(٢) نهاية كلام ابن القيم. انظر كتابه بدائع الفوائد (٢/ ٣٧).
(٣) القاضي البيضاوي: عبد اللَّه بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد أو أبو الخير ناصر الدين البيضاوي: قاضي مفسر علامة ولد في مدينة البيضاء بفارس قرب شيراز، وولي قضاء شيراز مدة صرف عن القضاء فرحل إلى تبريز فتوفى فيها سنة ٦٨٥ هـ، من تصانيفه: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبوع يعرف بتفسير البيضاوي؛ وطوالع الأنوار أو منهاج الوصول إلى علم الأصول، والغاية القصوى في دراية الفتوى في الفقه، طبع، وغيرها. انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (٨/ ١٥٧)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ٢٢٠) والأعلام (٤/ ١١٠).
[ ١ / ١٦٨ ]
ولذلك تستعمل في الخير قال: وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] على سبيل التهكم. ثم قال: وهداية اللَّه تعالى تتنوع أنواعًا لا يحصيها عد لكنها تنحصر في أجناس مترتبة:
الأول: افاضته القوى التي بها يتمكن المرء من الإهتداء إلى مصالحه كالقوة العقليه والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة.
الثاني: نصب الدلائل الفارفة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار بقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
الثالث: الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب وإياها عنى بقوله:
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
الرابع: أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي أو الإلهام والمنامات الصادقة. وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] انتهى (١).
فمن تمسك بالدين القويم واتبع الهدي الذي جاء به النبي الكريم هدي إلى الصراط المستقيم وإلى جنات الخلود والنعيم المقيم.
ثم صرح الناظم رحم اللَّه تعالى روحه ونور ضريحه ما أشعر بنفيه ورفضه ناهيًا
_________________
(١) النص في تفسير البيضاوي (١/ ١٠).
[ ١ / ١٦٩ ]
عن الإتصاف به والمثول إلى غرضه فقال (ولا) ناهية (تك) أصلها تكون دخلت أداة النهي فسكنت النون فالتقى ساكنان النون والواو فحذفت الواو لالتقاء الساكنين فصارت اللفظة (تكن) فحذفت النون تخفيفا حذفا جائزا لا لازما فصارت تك. وكان القياس أن لا تحذف هذه النون لكنهم حذفوها تخفيفا لكثرة الإستعمال.
ومذهب سيبوية (١) ومن تابعه أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن فلا تقول: لم يك الرجل قائما. وأجاز ذلك يونس (٢) وقرئ شاذا ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١].
وأما إذا لاقت متحركا فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرًا متصلا أولا فإن كان لم تحذف النون اتفاقا كقوله -ﷺ- لعمر بن الخطاب ﵁ في ابن
_________________
(١) سيبويه: عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء أبو بشر الملقب سيبويه إمام النحاة وأول من بسط علم النحو، ولد في إحدى قرى شيراز وقدم البصرة فلزم الخليل بن أحمد وصنف كتابه المسىمى "الكتاب" ط في النحو لم يصنع قبله ولا بعده مثله ورحل إلى بغداد فناظر الكسائي وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم وعاد إلى الأهواز فتوفى بها وقيل وفاته وقبره بشيراز، توفى سنة ١٨٠ هـ. انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٦٣ - ٤٦٥)؛ نزهة الألباء في طبقات الأدباء (ص ٦٠ - ٦٦)؛ والأعلام (٥/ ٨١).
(٢) يونس بن حبيب الضبي بالولاء أبو عبد الرحمن ويعرف بالنحوي علامة بالأدب، كان إمام نحاة البصرة في عصره أخذت سيبويه والكسائي والفراء وغبرهم من أئمة اللغة. قال ابن النديم كانت حلقته بالبصرة ينتابها طلاب العلم وأهل الأدب وفصحاء الأعراب ووفود البادية من كتبه: معاني القرآن كبير وصغير؛ واللغات؛ والنوادر؛ والأمثال؛ وغيرها، توفى سنة ١٨٢ هـ. انظر: أخبار النحويين البصريين (ص ٥١)، ونزهة الألباء (ص ٤٩)، والأعلام (٨/ ٢٦١).
[ ١ / ١٧٠ ]