هذه بدعة لم يقلها السلف.
وقوله تعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ يبطل الحكاية، منه بدأ وإليه يعود (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية طيب اللَّه ثراه: " (٢) معنى قولهم منه بدأ: أي هو المتكلم به لم يخلقه في غيره كما قالت الجهمية (٣) من المعتزلة وغيرهم إنه بدأ من بعض المخلوقات وأنه سبحانه لم يقم به كلام قال ولم يرد السلف أنه كلام فارق ذاته تعالى فإن الكلام وغيره من الصفات لا يفارق الموصوف به، بل صفة المخلوق لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فكيف صفة الخالق تفارقه وتنتقل إلى غيره.
ولهذا قال سيدنا الإمام أحمد: كلام اللَّه من اللَّه ليس ببائن منه خلقه في بعض الأجسام.
ومعنى قول السلف: "إليه يعود":
ما جاء في الآثار أن القرآن يسرى به حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في القلوب منه آية (٤).
_________________
(١) انظر: اعتقاد الإمام أحمد رواية أبي الفضل عبد الواحد التميمي في الجزء الثاني (ص ٢٩٦) من طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٤)؛ والعين والأثر (ص ٧٦).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية (ص ٥ - ٦)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٨٧ - ٨٨)؛ ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٩٠، ٥١٧)؛ وتوضيح المقاصد شرح النونية (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥)؛ ولوامع الأنوار (١/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٣) في "ظ" والمعتزلة.
(٤) ورد في ذلك أحاديث منها: ما رواه ابن ماجه في سننه (٢/ ١٣٤٤) رقم (٤٠٤٩) في الفتن باب ذهاب القرآن والعلم، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٧٣، ٥٠٦) عن حذيفة ﵁ في حديث طويل وفيه: "وليسرى على كتاب اللَّه ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية". =
[ ١ / ٢٣٥ ]
وقال الإمام أحمد ﵁ تارة: منه القرآن أي من اللَّه خرج وهو المتكلم به وإليه يعود: أي يرتفع القرآن دفعة واحدة عن الناس وترتفع تلاوته وأحكامه.
فيعود إلى اللَّه تعالى حقيقة نص عليه الإمام أحمد ﵁.
ونص الإمام أحمد أيضًا ﵁ على أنه حروف وأصوات وسور وآيات فقال في رواية ابنه عبد اللَّه: تكلم اللَّه بصوت، وإنما تنفى هذا الجهمية، وإنما يدورون على التعطيل (١).
وقال في رسالته إلى أهل نيسابور: من زعم أن حروف الهجاء مخلوقة فهو كافر لأنه سلك طريقًا إلى البدعة، قال: ومتى قال بذلك حكم بأن القرآن مخلوق (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه (٣): "إذا قيل إن حروف المعجم قديمة بمعنى النوع كان ذلك ممكنًا بخلاف ما إذا قيل إن عين اللفظ الذي نطق به زيد وعمرو قديم فإن هذا مكابرة للحس والمتكلم يسلم أن حروف المعجم كانت موجودة قبل وجوده بنوعها.
وأما نفس الصوت المعين الذي قام به أو التقطيع أو التأليف المعين لذلك الصوت فيعلم أن عينه لم يكن موجودًا قبله قال: والمنقول عن الإمام أحمد ﵁ وغيره من الأئمة أهل السنة يطابق لهذا القول.
_________________
(١) = قال البوصيرى في زوائد ابن ماجة (٤/ ١٩٤): إسناده صحيح رجاله ثقات. وصححه الحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي.
(٢) انظر كتاب السنة لعبد اللَّه بن أحمد (١/ ٢٨٠ - ٢٨١)، والأصفهانية (ص ٣١)؛ وشرح الكوكب المنير (٢/ ٩٩ - ١٠٠)؛ وفتح الباري (١٣/ ٤٦٩).
(٣) انظر مجموع الفتاوى (١٢/ ٨٥).
(٤) المصدر السابق (١٢/ ١٥٨ - ١٥٩).
[ ١ / ٢٣٦ ]
قال: ولهذا أنكروا على من زعم أن حرفًا من حروف المعجم مخلوق وأنكروا على من قال لما خلق اللَّه الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر، مع أن هذه الحكاية نقلت للإمام أحمد عن السري السقطي (١) وهو نقلها عن بكر (٢) بن خنيس العابد (٣).
ولم يكن قصد أولئك الشيوخ بها إلا بيان أن العبد الذي يتوقف فعله على الأمر والشرع هو أكمل من العبد الذي يعبد اللَّه بغير شرع، فإن كثيرًا من العباد يعبدون اللَّه تعالى بما تحبه قلوبهم، وإن لم يكونوا مأمورين به، فقصد أولئك الشيوخ أن من عبد اللَّه بالأمر، ولم يفعل شيئًا حتى يؤمر به فهو أفضل ممن عبده بما لم يؤمر به.
وذكروا هذه الحكاية الإسرائيلية شاهدًا لذلك، مع أن هذه لا إسناد لها ولا يثبت بها حكم، ولكن الإسرائيليات إذا ذكرت على طريق الاستشهاد بها لما عرف صحته لم يكن بذكرها بأس.
وقصدوا بذلك الحروف المكتوبة لأن الألف منتصبة وغيرها ليس كذلك، مع أن هذا أمر اصطلاحي وخط العرب غير خط الغرب، ولم يكن قصد أولئك الأشياخ أن نفس الحروف المنطوقة التي هي مباني أسماء اللَّه الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة
_________________
(١) السري بن المغلس السقطي أبو الحسن البغدادي: أحد العباد الزهاد، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين. تاريخ بغداد (٩/ ١٨٧)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ١٨٥).
(٢) بكر بن خنيس الكوفي العابد نزيل بغداد، قال الذهبي: كان في حدود السبعين ومائة. تهذيب الكمال (٤/ ٢٠٨ - ٢١١)؛ تقريب (ص ٤٧).
(٣) روى هذه الحكاية أبو بكر النقاش في تفسيره كما في الإنصاف للباقلاني (ص ١٥٢ - ١٥٣) وسيأتي تعليق شيخ الإسلام ابن تيمية عليها بعد قليل.
[ ١ / ٢٣٧ ]
بائنة عن اللَّه تعالى، بل هذا شيء لمله لم يخطر بقلوبهم، والحروف المنطوقة لا يقال فيها إنها منتصبة ولا ساجدة، فمن احتج بهذا من قولهم على أنهم يقولون: إن اللَّه لم يتكلم بالقرآن العربي، ولا بالتوراة العبرية، فقد قال عنهم ما لم يقولوه.
وأما الإمام أحمد ﵁ فإنه أنكر إطلاق هذا القول وما يفهم منه عند الإطلاق، وهو أن نفس حروف المعجم مخلوقة كما نقل عنه أنه قال: ومن زعم أن حرفًا من حروف المعجم مخلوق، فقد سلك طريقًا إلى البدعة فإنه إذا قال ذلك مخلوق فقد قال القرآن مخلوق (١) أو كما قال.
قال الإمام تقي الدين ابن تيمية: ولا ريب أن من جعل نوع الحروف مخلوقًا بائنًا عن اللَّه كائنًا بعد أن لم يكن لزم أن يكون كلام اللَّه العربي والعبري ونحوهما مخلوقًا وامتنع أن يكون اللَّه تكلم بكلامه الذي أنزله على عبده فلا يكون شيء من ذلك كلامه.
فطريقة (٢) الإمام أحمد وغيره من السلف مطابقة لصريح المعقول، وصحيح المنقول (٣) انتهى.
قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: فإن قال القرآن مخلوق، أو محدث، أو حادث، أو القرآن بلفظي، أو لفظي بالقرآن مخلوق، أو محدث، أو حادث، أو وقف فيه شاكًا، أو ادعى قدرة بشر على مثله كفر.
ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع (٤) نص عليه انتهى.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٥٨ - ١٦٠، ٨٤، ٨٥).
(٢) في "ظ" فطريق.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى (١٢/ ١٦٠).
(٤) انظر: السنة للإمام أحمد (ص ١٦)، وعقيدة أهل السنة للإمام أحمد (ص ٢٧)؛ والسنة =
[ ١ / ٢٣٨ ]