كان هذا العصر من الناحية العلمية يغلب عليه الجمود وعدم الإبتكار ويعلل بعض المؤرخين سبب هذا الإنحطاط إلى الحكم الإستبدادي والضرائب الفادحة والتدهور الإقتصادي والإنهيار الاجتماعي وهذه الأمور لا تغري بالإبتكار الشخصي في العلوم في عصر الجمع والتعليق والإختصار والتقليد الذي بدأ قبل ذلك بقرون عديدة واستمر في هذه الأثناء لكن النتائج التي أعطاها كانت أقل وأضعف (١).
إلا أن الشيخ أبا الحسن الندوي في بحث له عن العالم الإِسلامي في القرن الثاني عشر يصور لنا الحالة العلمية بصورة تظهر أنها كانت في أوجها يقول: ". . . كان العلماء في مصر والشام والعراق والحجاز واليمن وإيران والهند وغيرها من بلدان العالم الإِسلامي منصرفين إلى التدريس والإفادة وكان الباحثون والمحققون مقبلين على التألف والتصنيف والبحث والتحقيق". ثم ساق نخبة من أسماء العلماء في هذا العصر، أمثال الشيخ أبي الحسن السندي الكبير (المتوفى سنة ١١٣٨ هـ) والشيخ محمد حياة السندي (المتوفى سنة ١١٦٣ هـ) والشيخ إسماعيل العجلوني
_________________
(١) "مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب البحور الزاخرة" (ص ١٣)، نقلًا عن كتاب "تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين" لفليب حتى (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).
[ ١ / ٢٠ ]
المشهور بالجراحي (المتوفى سنة ١١٦٢ هـ) صاحب كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، والشيخ أبي طاهر الكوراني الكردي، والشيخ حسن العجيمي في الحرمين الشريفين، والشيخ سليمان بن يحيى الأهدل في اليمن والشيخ محمد بن أحمد السفاريني (المتوفى سنة ١١٨٨ هـ) والأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (المتوفى سنة ١١٤٢ هـ) صاحب سبل السلام وغيرهم (١).
ولكن الذي يظهر: أن هؤلاء الذين ذكرهم -أو أغلبهم- لم يكونوا من أهل الإبتكار -غالبا- وإنما تآليفهم إما أن تجدها حواشي على مؤلف أو اختصار أو جمع أو غير ذلك مما كان يتطلبه هذا العصر وإن كان لهم في ثنايا ذلك بعض الترجيحات والتصويبات (٢).
ويصف الشيخ السفاريني الحالة العلمية التي عاشها في معرض حديثه عن عزمه على شرح (ثلاثيات مسند الإمام أحمد) بعد تردد طويل قال -بعد أن استقر رأيه على كتابة شرحه القيم: ". . . ولم يبق من آثار هذا البيان إلا حكايات تتزين بها الطروس ككان وكان والعلم قد أفلت شموسه وتقوضت محافله ودروسه وربعه المأهول أمسى خاليًا وواديه المأنوس أضحى موحشًا داويا وغصنه الرطيب غدا داويًا وبرده القشيب صار باليًا فالعالم الآن قلت مضاربه وضاقت مطالبه وعالت معاطيه وسددت مذاهبه فليس له في هذا الزمان ومنذ أزمان إلا التجاء إلى عالِم السر والإعلان. . . " (٣).
_________________
(١) مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب "البحور الزاخرة" (ص ١٣) نقلًا عن مجلة البعث الإسلامي، العدد ٥ المجلد ٢٩ شهر صفر سنة ١٤٠٥ (ص ١١، ١٣).
(٢) مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب "البحور الزاخرة" (ص ١٣).
(٣) انظر "شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد" (١/ ٤).
[ ١ / ٢١ ]
فالحاصل: أن السمة البارزة للحياة العلمية في هذا العصر من حيث التأليف قد كانت عبارة عن الإختصار والنقل والشرح والجمع وتكرار ما قاله السابقون مع بعض الإضافات العلمية من ترجيح وتصويب خطأ ونحو ذلك.
ونجد هذه السمة واضحة في مؤلفات الشيخ السفاريني مواكبة منه لروح العصر العلمية وتأثر بالسائد فيه (١).
* * *
_________________
(١) مقدمة الدكتور محمد السمهري لكتاب "البحور الزاخرة" (ص ١٤).
[ ١ / ٢٢ ]