وأبي الدرداء ومعاوية وابن عباس وجابر وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وعوف بن مالك وعمرو بن عوف المزني وأنس بن مالك ﵃.
فكل هؤلاء قالوا: واحدة في الجنة وهي الجماعة.
وأما ما نقله أبو حامد الغزالي في كتابه "الفرقة بين الإيمان (١) والزندقة" من أن النبي -ﷺ- قال: "ستفترق أمتي نيفًا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة (٢) " وهي فرقة قال وهذا لفظ الحديث في بعض الروايات، قال وظاهر الحديث يدل على أنه أراد الزنادقة من أمته إذ قال ستفترق أمتي ومن لم يعترف بنبوته فليس من أمته. والذين ينكرون أصل المعاد والصانع فليسوا معترفين بنبوته. إذ يزعمون أن الموت عدم محض وأن العالم لم يزل كذلك موجودًا بنفسه من غير صانع ولا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر وينسبون الأنبياء إلى التلبيس فلا يمكن نسبتهم إلى الأمة انتهى.
قلت وهذا الحديث الذي ذكره الإمام الغزالي (٣) كذب موضوع.
_________________
(١) طبع هذا الكتاب مع عدة رسائل للغزالي باسم القصور العوالي من رسائل الإمام الغزالي، مكتبة الجندي بمصر والنص فيه (ص ١٤٣) وستأتي ترجمة الغزالي بعد قليل.
(٢) في هامش "ظ" كتب ما يلي: قف على حديث نقله الغزالي: ستفترق أمتي نيفًا وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا الزنادقة. وأنه كذب مفترى لا أصل له باتفاق أهل العلم كما أفاده المصنف رحمه اللَّه تعالى.
(٣) الغزالي: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي المعروف بالغزالي زين الدين أبو حامد حكيم متكلم فقيه أصولي صوفي مشارك في أنواع من العلوم صاحب تصانيف كثيرة، مات سنة ٥٠٥. انظر سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)؛ وطبقات الشافعية (٦/ ١٩١)؛ ومعجم المؤلفين (١١/ ٢٦٦).
[ ١ / ١٤٤ ]
قال الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية (١) قدس اللَّه روحه: "أما هذا الحديث -يعني الحديث الذي ذكره الغزالي فلا أصل له بل هو موضوع كذب باتفاق أهل العلم بالحديث ولم يروه أحد من أهل الحديث المعروفين بهذا اللفظ، بل الحديث الذي في السنن والمسانيد عن النبي -ﷺ- من وجوه أنه قال: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار".
وروي عنه أنه قال: هي الجماعة.
وفي لفظ آخر: "هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" قال وضعفه ابن حزم (٢).
لكن رواه الحاكم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي (٣) وغيرهم قال وأيضًا لفظ الزندقة لا يوجد في كلام النبي -ﷺ- كما لا يوجد في القرآن.
وأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في توبته قبولًا وردًا فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر (٤). انتهي.
_________________
(١) ابن تيمية تقدم (١/ ١٣٩).
(٢) ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري أبو محمد عالم الأندلس في عصره واحد أئمة الإسلام، ولد بقرطبة وكانت له ولأبيه رئاسة الوزراء وتدبير المملكة فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف فكان من صدور الباحثين فقيهًا حافظًا يستنبط الأحكام من الكتاب والسنة، له مصنفات كثيرة، توفى سنة ٤٥٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٨٤)؛ وفيات الأعيان (٣/ ٣٢٥)؛ الأعلام (٤/ ٢٥٤).
(٣) انظر: تخريج الحديث (١/ ١٤٠). وانظر كلام ابن حزم علي الحديث في الفصل (٣/ ٢٩٢).
(٤) انظر: كلام شيخ الإسلام هذا في كتابه: بغية المرتاد (ص ٣٣٦ - ٣٣٧)؛ وعزاه المؤلف في كتابه اللوامع (١/ ٩٢) إلى: الإسكندرية لشيخ الإسلام.
[ ١ / ١٤٥ ]
قلت: وقد ذكر الحديث الذي ذكره الغزالي الإمام الحافظ ابن الجوزي (١) في كتابه في الموضوعات (٢) وذكر أنه روي من حديث أنس ولفظه "تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة قالوا يا رسول اللَّه من هم؟ قال: الزنادقة وهم القدرية".
أخرجه العقيلي (٣) وابن عدي (٤) ورواه الطبراني (٥) أيضًا.
قال أنس: "كنا نراهم القدرية" (٦).
قال ابن الجوزي: وضعه الأبرد بن الأشرس وكان وضاعًا كذابًا وأخذه منه ياسين الزيات فقلب اسناده وخلطه وسرقه عثمان بن عفان القرشي.
_________________
(١) ابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي أبو الفرج محدث مفسر مؤرخ وأعظ فقيه، مولده ووفاته ببغداد له نحو ثلاثمائة مصنف، مات سنة ٥٩٧ هـ. سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)؛ وذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٩)؛ والأعلام (٣/ ٣١٧).
(٢) انظر: الموضوعات (١/ ٢٦٧).
(٣) العقيلي: محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي الحجازي، محدث حافظ ناقد مصنف كتاب الضعفاء طبع في أربعة مجلدات، توفي سنة ٣٢٢ هـ. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٣٦)، الوافي بالوفيات (٤/ ٢٩١).
(٤) تقدم (١/ ١١٠).
(٥) الطبراني: سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمى الشامي أبو القاسم من كبار المحدثين الحفاظ له ثلاثة معاجم في الحديث الكبير والأوسط والصغير، وله كتاب السنة وغيرها، توفى سنة ٣٦٠ هـ. سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٩)؛ والأعلام (٣/ ١٢١).
(٦) الحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٠١)؛ وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٣٤)؛ وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٦٧)؛ والسيوطي في اللآلي (١/ ٢٤٨).
[ ١ / ١٤٦ ]