اللَّه سبحانه افتتح جميع كتبه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
والباء فيها للإستعانة أو المصاحبة متعلقة بمحذوف وتقديره فعلا خاصا مؤخرا أولى، واللَّه علم على الذات الواجب الوجرد المستحق لجميع الكمالات.
والرحمن المنعم بجلائل النعم كمية أو كيفية والرحيم المنعم بدقائقها كذاك. وقدّم الأول لأنه خاص باللَّه تعالى ولأنه أبلغ من الرحيم فقدّم عليه ليكون الرحيم له كالتتمة والرديف فإن قيل العادة تقديم غير الأبلغ ليترقى منه إلى الأبلغ كما فى قولهم عالم نحرير وجواد فياض.
فالجواب قد قيل إن الرحيم أبلغ وقيل هما سواء غير أنه قد خص كل منهما بشيء.
وقيل الرحمن أمدح والرحيم ألطف.
والحق أن الرحمن أبلغ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى وإنما خولفت العادة لأنه أريد أن يردف الرحمن الذي تناول جلائل النعم وأصولها بالرحيم ليكون له كالتتمة والرديف كما تقدم لتناوله ما دق منها ولطف كما أشرنا اليه (١).
وقد ذكر العلامة جمال الدين ابن هشام (٢) في
_________________
(١) = على الأجرومية؛ والشذور والقطر في النحو؛ وغيرها. وذكر الزركلي له كتاب قرة عيون ذوي الأفهام بشرح مقدمة شيخ الإسلام على البسملة؛ ولعل هذا النص منقول منه، توفى سنه ١٠١٩ هـ. الأعلام (٢/ ٦٢ - ٦٣).
(٢) انظر هذا المبحث في غذاء الألباب (١/ ٧ - ٨) للمؤلف.
(٣) جمال الدين ابن هشام: عبد اللَّه بن يوسف بن أحمد بن عبد اللَّه بن يوسف أبو محمد جمال الدين ابن هشام من أئمة العربية، مولده ووفاته بمصر، من تصانيفه: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، مطبوع وهو الذي أشار إليه المؤلف؛ وعمدة الطالب في تحقيق =
[ ١ / ١٥٨ ]
المغني (١) "إن الحق قول الأعلم (٢) وابن مالك (٣) إن الرحمن ليس بصفة بل علم قال وبهذا لا يتجه السؤال وينبني على علميته أنه في البسطة ونحوها بدل لا نعت وأن الرحيم بعده نعت له لا نعت لاسم اللَّه. إذ لا يقدم البدل على النعت. قال وإنما يوضح أنه غير صفة مجيئه كثيرًا غير تابع نحو ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١ - ٢]، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] انتهى.
ومن يقول أنه صفة يجيب عن ذلك بأن الموصوف إذا علم جاز حذفه وإبقاء صفته كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ. . .﴾ [فاطر: ٢٨]
_________________
(١) = تصريف ابن الحاجب، مجلدان؛ ورفع الخصاصة عن قراء الخلاصة، أربع مجلدات؛ وشذور الذهب، ط؛ وشرح قطر الندى، مطبوع وغيرها، توفى سنة ٧٦١ هـ. الأعلام (٤/ ١٤٧).
(٢) مغني اللبيب (١/ ٦٠١).
(٣) الأعلم: يوسف بن سليمان بن عيسى الشنتمري الأندلسي أبو الحجاج المعروف بالأعلم: عالم باللغة والأدب ولد في شنتمرية الغرب ثم رحل إلى قرطبة ومات في أشبيلية سنة ٤٧٦ هـ وكان مشقوق الشفة العليا فأشهر بالأعلم. من كتبه: شرح الشعراء الستة، ط؛ شرح ديوان زهير بن أبي سلمى؛ شرح ديوان طرفة؛ شرح ديوان علقمة؛ وشرح شواهد سيبوية، وغيرها. انظر: وفيات الأعيان (٧/ ٨١)؛ وإرشاد الأريب (٢٠/ ٦٠).
(٤) ابن مالك: محمد بن عبد اللَّه بن مالك الطائي الجياني أبو عبد اللَّه جمال الدين أحد الأئمة في علوم العربية، ولد في جيان بالأندلس وانتقل إلى دمشق فتوفى فيها سنة ٦٧٢ هـ، أشهر كتبه: الألفية فى النحو؛ وله تسهيل الفوائد وشرحه؛ والكافيه الشافية -في النحو في نحو ثلاثة آلاف بيت؛ وشواهد التوضيح؛ ولامية الأفعال؛ والعروض وغيرها. انظر: الأعلام (٦/ ١٣٣).
[ ١ / ١٥٩ ]
أي نوع مختلف ألوانه كاختلاف السموات والجبال، وعلى المشهور في أنه صفة كالرحيم بحسب الأصل فمشتقان من رحم بجعله لازما بنقله إلى باب فعل بضم العين أو بتنزيله منزلة اللازم إذ هما صفتان مشبهتان وهي لا تشتق من متعد.
ورحمة اللَّه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته تعالى تقتضي التفضيل والإنعام (١).
وأما تفسيرها برقة في القلب تقتضي الإنعام كما في الكشاف (٢) وغيره (فهذا) (٣) إنما يليق برحمة المخلوق، ونظير ذلك العلم فإن حقيقته المتصف بها تعالى ليست مثل الحقيقة القائمة بالمخلوق. بل نفس الإرادة التي يردون الرحمة إليها في حقه مخالفة لإرادة إلمخلوق إذ هي ميل قلبه إلى الفعل أو الترك.
وإرادته تعالى بخلاف ذلك.
وكذا رد الزمشخري (٤) لها في حقه تعالى إلى الفعل بمعنى الإنعام مع أن فعل العبد الإختياري إنما يكون لجلب نفع للفاعل أو دفع ضرر عنه. وفعله تعالى بخلاف ذلك فما فروا إليه فيه من المحذور نظير الذي فروا منه.
_________________
(١) لوامع الأنوار (١/ ٣٢ - ٣٣)، غذاء الألباب (١/ ٩).
(٢) انظر: تفسير الكشاف للزمخشري (١/ ٤٤ - ٤٥)؛ وتفسير البيضاوي (١/ ٧).
(٣) زيادة من كتاب المؤلف لوامع الأنوار (١/ ٣٣) وبها يتضح المعنى وقد اختصر المؤلف الكلام هنا. فراجع كتاب المؤلف لوامع الأنوار (١/ ٣٢ - ٣٣) ففيه زيادة بيان وتفصيل.
(٤) الزمخشري: محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري أبو القاسم (جار اللَّه) مفسر متكلم نحوي لغوى بياني أديب مشارك فى عدة علوم ولد بزمخشر من قرى خوارزم ورحل إلى مكة فجاور بها وسمي جار اللَّه ثم رجع إلى خوارزم فتوفى بها سنة ٥٣٨ هـ. من تصانيفه الكثيرة: الكشاف فى التفسير؛ وأساس البلاغة فى اللغة؛ الفائق فى غريب الحديث؛ المستقصي فى الأمثال؛ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار فى الأدب. معجم المؤلفين (١٢/ ١٨٦).
[ ١ / ١٦٠ ]