قال ﵁: (تمسك) أيها المسلم السني المتبع سنة رسول اللَّه وجماعة السلف الصالح من أهل الفرقة الناجية (بحبل) أى شرع اللَّه من الكتاب المنزل وما شرعه اللَّه تعالى على لسان نبيه المرسل والجار والمجرور متعلق بتمسك يقال أمسكت الشيء وبالشيء ومسكت به وتمسكت وامتسكت ومنه الحديث: "من مسك من هذا الفى بشيء" (١) أى أمسك وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] أى بدين الإسلام أو بكتابه لقوله -ﷺ-: "القرآن حبل اللَّه المتين" كما فى الترمذي (٢). استعار له الحبل من حيث أن التمسك به سبب النجاة عن التردي كما أن التمسك بالحبل سبب السلامة عن التردي الموثوق به والإعتماد عليه فهر استعارة مصرحة وذكر التمسك ترشيحا.
وقد أخرج الترمذي عن الحارث (٣) الأعور قال مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي ﵁ فأخبرته فقال أوقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ألا إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول اللَّه؟ قال كتاب اللَّه فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم
_________________
(١) جزء من حديث طويل رواه أبو داود في الجهاد رقم (٢٦٩٤)؛ والنسائي في الهبة (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١) هبة المتاع، وأحمد في المسند (٢/ ١٨٤) من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص؛ وانظر النهاية (٤/ ٣٣٠).
(٢) (٥/ ١٧٢) رقم (٢٩٠٦) وسيذكره المؤلف بعد قليل.
(٣) الحارث بن عبد اللَّه الأعور الهمداني يكنى أبا زهير روى عن علي وابن مسعود من كبار علماء التابعين على ضعف فيه، وكان شيعيًا مات سنة خمس وستين. ميزان الإعتدال (١/ ٤٣٥)، والكاشف (١/ ١٩٥).
[ ١ / ١٦٤ ]
وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه اللَّه ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه وهو حبل اللَّه المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيع به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم ينته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾. من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم (١) خذها إليك يا أعور.
قال الترمذي حديث غريب.
ونحوه حدث عمر ﵁ قال نزل جبريل ﵇ على رسول اللَّه -ﷺ- فأخبره أنها ستكون فتنة قال فما المخرج منها يا جبريل قال كتاب اللَّه فيه نبأ ما قبلكم ونبأ ما هو كاين بعدكم وفيه الحكم بينكم وهو حبل اللَّه المتين وهو النور المبين الحديث (٢).
وفي حدث ابن عباس ﵄ قال: جمع اللَّه في هذا الكتاب علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وعلم ما يكون والعلم بالخالق ﷻ أمره وخلقه (٣).
_________________
(١) الحديث رواه الترمذي في جامعه في فضائل القرآن (٥/ ١٧٢) رقم (٢٩٠٦) باب ما جاء في فضل القرآن. وقال الترمذي عقيبه: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول وفي الحارث مقال.
(٢) و(٣) الحديثان أخرجهما رزين. قاله أبو السعادات بن الأثير في جامع الأصول (٩/ ٣٥٣ - ٣٥٤) ولم أجدهما فيما اطلعت عليه من كتب الحديث.
[ ١ / ١٦٥ ]