(ولا تقل القرآن العظيم خلق) أي مخلوق فلا ناهية وتقل مجزوم وحركت اللام بالكسر لالتقاء الساكنين، والقرآن مبتدأ، وخلق بمعنى مخلوق خبره.
و(قراءة) منصوب على الحال أو بنزع الخافض أي في القراءة يعني لا تقل: قراءتي مخلوقة.
قال سيدنا الإمام أحمد ﵁: "اللفظية هم الذين يزعمون أن القرآن كلام اللَّه، ولكن ألفاظنا وقراءتنا مخلوقة، وهم جهمية (١) فساق. انتهى.
ولهذا قال الناظم (فإن كلام اللَّه) الذي هو القرآن (باللفظ يوضح) أي يكشف ويظهر ويبين.
فتحرير مذهب السلف: أن اللَّه تعالى متكلم، وأن القرآن كلام اللَّه، وأنه قديم (٢) حروفه ومعانية.
والكلام كلام من قاله مبتدئًا به لا كلام من قاله مبلغًا ومؤديًا، وموسى ﵇ سمع كلام اللَّه من اللَّه بلا واسطة، والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض، فسماع موسى مطلق بلا واسطة، وسماع الناس مقيد بواسطة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
_________________
(١) انظر: السنة للإمام أحمد (ص ٢٠)؛ ومجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢٥).
(٢) انظر: ما تقدم (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩) حول تسمية القرآن قديم.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وقال النبي -ﷺ-: "زينوا القرآن بأصواتكم" (١).
فجعل الكلام، كلام الباري، وجعل الصوت صوت القارئ فالذي يقرأ به العبد صوت نفسه، فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون: ليس هو كلام اللَّه، أو هو كلام غيره، فهو ملحد مبتدع ضال. ومن قال إن أصوات العباد والمداد الذي كتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع ضال، بل هذا القرآن هو كلام اللَّه وهو مثبت في المصاحف، وهو كلام اللَّه مبلغ مسموع من القراء ليس هو مسموعًا منه تعالى فكلام اللَّه قديم وصوت العبد حادث مخلوق (٢).
_________________
(١) رواه أبو داود رقم (١٤٦٨) في الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة؛ والنسائي (٢/ ١٣٩، ١٤٠) في الصلاة باب تزيين القرآن بالصوت؛ والدارمي (٢/ ٣٤٠)؛ وأحمد (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤)؛ وابن ماجة رقم (١٣٤٢)؛ وابن حبان في صحيحه الإحسان (٢/ ٦٤)؛ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧١ - ٥٧٥) من عدة طرق عن البراء بن عازب ﵁؛ وقال الألباني صحيح. صحيح الجامع (٣/ ١٩٤).
(٢) هذه المسألة تسمى "مسألة اللفظ بالقرآن". قال ابن تيمية ﵀: قد اضطرب فيها أقوام لهم علم وفضل ودين وعقل وجرت بسببها مخاصمات ومهاجرات بين أهل الحديث والسنة حتى قال ابن قتيبة كلامًا معناه لم يختلف أهل الحديث في شيء من مذاهبهم إلا في مسألة "اللفظ". وبين أن سبب ذلك لما وقع فيها من الغموض والنزاع بينهم في كثير من المواضع لفظي. ثم قال في موضع آخر: ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة يقولون: من قال اللفظ بالقرآن أو لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي. لأن اللفظ يراد به صدر لفظ يلفظ لفظًا، ومسمى هذا فعل العبد وفعل العبد مخلوق. ويراد باللفظ القول الذي يلفظ به اللافظ، وذلك كلام اللَّه لا كلام القارئ، فمن قال: إنه مخلوق فقد قال إن اللَّه لم يتكلم بهذا القرآن، وإن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ليس هو كلام اللَّه، ومعلوم أن هذا مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول، وأما صوت العبد فهو مخلوق. =
[ ١ / ٢٣٣ ]