عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته، والشقاء والضلال في معصيته ومخالفته، وامتحن به الخلائق في قبورهم، فهم حتى في القبور عنه (مسئولون) (١) وبه ممتحنون (٢) فإذا كان هذا شأن هذا النبي الكريم والرسول الرؤوف الرحيم فكيف يلتمس الهدي والفلاح والفوز والنجاح من غير هديه القويم، وسبيله المستقيم، ولاسيما في معرفة اللَّه وصفاته التي هي الغاية القصوى والسعادة العظمى.
فإن قلت ما منشأ هذا الخلاف والنزاع والتباين والإبتداع الذي طبق الأرض بأسرها، وعم الفرق في نهيها وأمرها؟
فالجواب: إن منشأ ذلك كله عدم اتباع آثار الرسول وعدم التمسك بصحيح المنقول، والإستقلال بالعقول مع ميلها للأوضاع الفلسفية والإصطلاحات المنطقية، والمقدمات الكلامية، فمشوا على قانون أسلافهم وتركوا سنة نبيهم زعمًا أنهم المحققون وهم في الحقيقة تائهون ومتحذلقون وأين الثريا عن يد المتطاول؟
فمنشأ التفرق (٣) والإختلاف والإبتداع والإنحراف علم الكلام الذي ذمه السلف وعابوه وحذروا منه وأبنوه (٤) وهو الكلام المشتبه المشتمل على حق وباطل فيه ما يوافق العقل والسمع وفيه ما يخالفهما فيأخذ هؤلاء جانب النفي المشتمل على نفي الحق والباطل وهؤلاء جانب الإثبات المشتمل على إثبات حق وباطل، وجماعه:
_________________
(١) في "أ" مسلون وما أثبتنا من "ظ" ومن الفتاوى.
(٢) نهاية كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد نقله المصنف ببعض التصرف والإختصار. مجموع الفتاوى (١٩/ ٩٣ - ١٠٣).
(٣) من هنا نقل من كلام شيخ الاسلام. انظر الفتاوى (١٢/ ١٤٠).
(٤) أبنوه: أي ذكروه بسؤ وقبح. لسان العرب، وصحاح الجوهري (ابن).
[ ١ / ١٣٥ ]
هو الكلام المخالف لكتاب للَّه وسنة رسول اللَّه -ﷺ- فكل كلام كان كذلك فهو باطل، وذلك إنه لما تناظروا في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع، فأستدلت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف الكلام على ذلك:
بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وأن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام قالوا: إن الأجسام لا تخلوا عن الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث (١) ثم تنوعت طرقهم في المقدمة الأولى فتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلوا (عن الحركة والسكون وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن الإجتماع والإفتراق وهما حادثان، وتارة يثبتونها بأن الأجسام) (٢) لا تخلوا عن الأكوان الأربعة: الإجتماع والإفتراق والحركة والسكون وهي حادثة وهذه طريقة المعتزلة ومن وافقهم، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلوا من كل جنس من الأعراض عن عرض منها ويقولون: القابل (٣) للشيء لا يخلو عنه وعن ضده،
_________________
(١) وهذا الدليل هو الذي يسببه قامت الفتن وكثر الإضطراب والإختلاف وقال الجهمية والمعتزلة بإنكار الصفات قالوا: لأن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم واللَّه ﷾ منزه عن ذلك لأن الصفات التي هي العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك أعراض ومعان تقوم بغيرها والعرض لا يقوم إلا بجسم واللَّه تعالى ليس بجسم لأن الأجسام لا تخلوا من الأعراض الحادثة وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث. انظر: جواب شيخ الإسلام عن هذا الدليل في نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٢١٩)؛ وانظر: اعتراضات الناس علي هذه الطريقة في (١٢/ ٢١٤، ١٣/ ١٤٧، ١٦/ ٢٦٧) من مجموع فتاوى شيخ الإسلام.
(٢) الكلام الذي بين القوسين حصل فيه سقط استدرك في الهامش في "أ" وسقطت عبارة: إن الأجسام لا تخلو عن الإجتماع والإفتراق وهما حادثان من "ظ" وقد استعنا في تصويب النص من كلام شيخ الإسلام في الفتاوي (١٢/ ١٤٠ - ١٤١).
(٣) في "أ" القايل. وما أثبتنا من "ظ" ومن الفتاوي (١٢/ ١٤١) وهو الصواب.
[ ١ / ١٣٦ ]
ويقولون: إن العرض يمتنع بقاؤه زمانين، وهذه الطريقة هي التي اختارها أبو حسن الآمدي (١) وزيف ما سواها ووافقه عليها طائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة كالقاضي أبي يعلى (٢)، وأبي المعالي (٣) الجويني من الشافعية وأبي الوليد (٤) الباجي من المالكية وغيرهم.
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي الآمدي الحنبلي ثم الشافعي سيف الدين فقيه أصولي متكلم منطقي ولد آمد سنة ٥٥١ هـ وأقام ببغداد ثم انتقل إلى الشام ثم الي الديار المصرية وتوفي بدمشق في ٣ صفر من سنة ٦٣١ هـ ودفن بجبل قاسيون من تصانيفه: غاية المرام في علم الكلام؛ دقائق الحقائق في الحكمة؛ إحكام الأحكام في الأصول، وغاية الأمل في الجدل. انظر ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٢٩٣)؛ والبداية والنهاية (١٣/ ١٤٠)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٤) ومعجم المؤلفين (٧/ ١٥٥).
(٢) القاضي أبو يعلى: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء أبو يعلى شيخ الحنابلة عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، حدث وأفتى ودرس وتخرج به جماعة، توفى في بغداد سنة ٤٥٨ هـ. من تصانيفه الكثيرة: الإيمان؛ والأحكام السلطانية؛ والكفاية في أصول الفقه؛ وأحكام القرآن؛ وعيون المسائل، والعدة في أصول الفقه وغيرها. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة لإبنه أبي الحسين محمد (٢/ ١٩٣)؛ وفي سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩)؛ وانظر الأعلام للزركلي (٦/ ٩٩ - ١٠٠)؛ ومعجم المؤلفين (٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
(٣) أبو المعالي الجويني: هو عبد الملك بن عبد اللَّه بن يوسف الجويني أبو المعالي إمام الحرمين، فقيه أصولي متكلم مفسر أديب من تصانيفه الكثيرة: نهاية المطلب في دراية المذهب؛ الشامل في أصول الدين؛ البرهان في أصول الفقه؛ تفسير القرآن؛ الإرشاد إلى قواطع الأدلة وغيرها. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٧١)؛ وفي طبقات الشافعية (٥/ ١٨٥)؛ ومعجم المؤلفين (٦/ ١٨٤).
(٤) أبو الوليد الباجي: سليمان بن خلف بن سعد القرطبي أبو الوليد الباجي فقيه مالكي كبير =
[ ١ / ١٣٧ ]