إحداها: الحواس السليمة، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس. فكل حاسة منها -يُوقف- بمعنى يطلع على ما وضحت هي له- كالسمع للأصوات (والبصر للمبصرات) (١) والذوق للمطعوم والشم للروائح واللمس للملموسات من حرارة وبرودة ورطوية ويبوسة ونحو ذلك.
الثاني: الخبر الصادق من الكتاب المنزل والأحاديث عن النبي المرسل فإن معظم المعلومات الدينية مستفادة من الخبر الصادق.
الثالث: العقل لحكم الإستقراء.
ووجه الحصر أن السبب إن (٢) كان من خارج فالخبر الصادق وإلا فإن كان آلة غير المدرك فالحواس وإلا فالعقل فإن قيل السبب المؤثر في العلوم كلها هو للَّه تعالى لأنها بخلقه وإيجاده من غير تأثير للحاسة والخبر والعقل.
_________________
(١) استدركت في هامش "أ" وكتب عليها صح. وفي "ظ" كتب فى الهامش نسخة: للمرئيات. وكتب بلغة مقابلة.
(٢) في "ظ" إذا.
[ ١ / ١٥٢ ]
والسبب الظاهري كالنار للإحراق هو العقل لا غير وإنما الحواس والأخبار آلات وطرق للإدراك. والسبب المنفي في الجملة بأن يخلق اللَّه تعالى العلم معه بطريق جري المادة عند الأشاعرة ومن نحا نحوهم ليشمل المدرك كالعقل والآلة كالحس والطريق كالخبر لا ينحصر في الثلاثة بل ثم أشياء أخر مثل (١) الوجدان والحدس والتجربة ونظر العقل بمعنى ترتيب المباديء والمقدمات.
فالجواب أن هذا جرى على عادة مشايخ علماء الكلام ومحققيهم في الإقتصار على المقاصد والإعراض عن تدقيقات الفلاسفة (٢) واللَّه أعلم.
ومنها: العلم لا يحد في وجه والحق أنه كحد وهر صفة يميز المتصف بها تمييزًا جازمًا مطابقًا للواقع لا يحتمل النقيض.
وقد يراد به مجرد الإدراك جازمًا أو مع احتمال راجح أو مرجوح أو مساو على سبيل المجاز فيشمل الأربعة قوله تعالى -حاكيًا مقالة النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١] إذ المراد نفي كل إدراك.
وعلم اللَّه تعالى قديم ليس بضروري ولا نظري ولا يوصف تعالى بأنه عارف.
قال العلامة ابن حمدان (٣) في نهاية المبتدئين: علم اللَّه تعالى لا يسمى معرفة
_________________
(١) ساقطة من "ظ".
(٢) انظر: شرح العقيدة النسفية (ص ٢٩).
(٣) أحمد بن حمدان بن شبيب بن حمدان الحراني الحنبلي نجم الدين أبو عبد اللَّه الفقيه الأصولي الأديب نزيل القاهرة وصاحب التصانيف النافعة من كتبه: نهاية المبتدئين؛ في أصول الدين؛ والمقنع؛ في أصول الفقه؛ والرعاية الكبرى؛ والرعاية الصغرى في الفقه؛ وصفة المفتي والمستفتي؛ وغيرها. توفى سنة ٦٩٥ هـ. =
[ ١ / ١٥٣ ]
حكاه القاضي (١) إجماعًا.
وعلم المخلوقات محدث وهو قسمان:
١ - ضرورى وهو ما يعلم من غير نظر كتصورنا معنى النار وإنها حارة.
٢ - نظري وهو ما لا يعلم إلا بنظر وهو عكس الضروري.
وتعريف العلم الضروري هو ما لزم نفس المكلف لزومًا لا يمكنه الخروج عنه (٢).
فائدة:
ما عنه الذكر الحكمى يعني المعنى الذي يعبر عنه بالكلام الخبري من إثبات أو نفي تخيله أو لفظ به.
إما أن حتمل متعلقه النقيض بوجه من الوجوه أو لا.
الثاني العلم والأول إما أن يحتمله عند الذاكر لو قدره في نفسه أولا.
الثاني: الإعتقاد فإن طابق لما في نفس الأمر فهو اعتقاد صحيح وإن لم يطابق ففاسد.
والأول وهو الذي يحتمل النقيض عند الذاكر لو قدره الراجح منه ظن،
_________________
(١) = انظر ترجمة في: ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٣١)؛ وشذرات الذهب (٥/ ٤٢٨)؛ والأعلام (١/ ١١٩).
(٢) القاضى: أبو يعلى الفراء: محمد بن الحسين البغدادي الحنبلي (٣٨٠ - ٤٥٨ هـ). نقدمت ترجمته (١/ ١٣٧).
(٣) انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٦٧).
[ ١ / ١٥٤ ]
والمرجوح وهم والمساوي شك (١) واللَّه تعالى أعلم.
وقد آن لنا أن نشرع في شرح القصيدة الفريدة والخريدة المفيدة.
فنقول:
* * *
_________________
(١) انظر هذه المباحث التي ذكرها المصنف في خاتمته هذه في المصادر الآتية: شرح المقاصد (١/ ١٧٨) وما بعدها؛ وفى شرح العقيدة النسفية (ص ٩) وما بعدها؛ وفي المواقف فى علم الكلام (ص ٧)؛ وفى شرح الكوكب المنير (١/ ٧٣) وما بعدها؛ وفي لوامع الأنوار للمصنف (١/ ٥).
[ ١ / ١٥٥ ]