سعى المستشرقون وأتباعهم إلى إسقاط عدالة الصحابة من خلال وضع الشبهات حولهم ليزرعوا الشك في حملة الإسلام من خلال وضع التساؤلات التالية على سبيل المثال: -
أيعقل أن يأخذ الإنسان دستوره القويم ومنهجه المستقيم المتمثل في القرآن والسنة النبوية من أناس قد وقعت منهم زلات وهفوات ولا يطمئن الإنسان إلى أحوالهم؟!
[ ٧٥ ]
وعندما يطرحون مثل هذه الشبهة فإنهم ينفثون السموم من خلالها على عوام المسلمين والواقع أن المستشرق بتسليطه الضوء وَكَيلِهِ الإتهام لا يقصد صحابيا لم يشتهر، ولم يفصّل التاريخ في خبره، أو يسهب في أثره، أو في صحابية من عامة الصحابيات زنت ثم اعترفت فرجمها النبي - ﵌ -، أو من رجل كان مبتلى بشرب الخمر فأقام النبي - ﵌ - عليه الحد، ولا يريد بشبهته تلك أمثال حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - الذي زل في رأيه ولم يوفق في اجتهاده، عندما أخبر قريشًا بقدوم النبي - ﵌ - فاتحًا، فكل أولئك - ﵃ - قد تابوا إلى الله ﷿، إما باستغفار وإنابة منهم، أو بإقامة حد دنيوي عليهم.
لكنه يتخذ ذلك ذريعة لطعنه في كبار الصحابة من خلال اختلاق القصص حولهم وإبراز الخلافات فيما بينهم لتمهيد الطريق لإطفاء نور الله المبين الذي سار عليه المسلمون وإذا نجح المستشرق في إسقاط عدالة الصحابة عمومًا فإنه يسهل عليه الطعن في كتاب الله الذي نقلوه وحفظوه، ومن ثم سنة نبيه محمد - ﵌ -، التي فيها تفصيل التشريعات الربانية فيسهل بعد ذلك تفريق صفوف المسلمين وجعل الفتنة والبغضاء بينهم.
لذلك يقوم المستشرقون بالإعتماد على ما كتبه زنادقة ذلك العصر باعتبارهم يمثلون الإسلام، واعتبار التاريخ والوقائع التي نقلوها وزوَّروها تعبر عن تلك المرحلة تعبيرًا صادقًا وهذا ملاحظ فيما يشاع بين المسلمين من ترويج ونشر للأحاديث المكذوبة على أصحاب النبي - ﵌ - المتناثرة في الكتب الجامعة للأحاديث والروايات الغير معتمدة والتي بحمد لله لم تصمد أمام القواعد والضوابط التي وضعها علماء الجرح والتعديل.
والدليل على ذلك أنك لن تجد في هذه الروايات الداعية إلى الفرقة والاختلاف بين الصحابة رواية واحدة صحيحة، متصلة السند عن رواة عدول عن مثلهم عن النبي - ﵌ - ولذلك فليطمئن المسلم على دينه وليكن على بينة من عدة أمور:
[ ٧٦ ]
١ - أن الثناء على الصحابة قد تحقق في كتاب ربنا، وفي سنة نبينا محمد - ﵌ - وكذا على لسان العترة - ﵈ - (^١).
٢ - أن مقولة: (إن من الصحابة منافقين) كذبٌ، لأن المنافقين ليسوا من الصحابة حقيقة، والمنافقون كانوا معروفين للنبي - ﵌ - وأصحابه، إما بأعيانهم وإما بأوصافهم؛ لأن آيات القرآن قد بينت كل حركاتهم وسكناتهم، بل حتى خلجات نفوسهم.
وإذا أخذنا غزوة تبوك مثلًا، وهي من أواخر غزوات الرسول - ﵌ -، نجد أن فيها بيانًا لحال المنافقين، فمنهم من تخلف عنها بأعذار واهية، أو بدعوى خشية الافتتان بنساء الروم وغيرها من الأعذار السَّمِجَة التي عادة ما يتعذر بها المنافقون حينما يكون هنالك جهاد في سبيل الله.
ومما يدل على أن المنافقين معلوم أمرهم وأنهم ليسوا من الصحابة، أن الله لم يذكر توبته عليهم ضمن من تاب عليهم من المؤمنين عامة، والثلاثة الذين خلفوا خاصة، قال تعالى:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨].
ومن الجدير بالذكر القول: إن آيات سورة التوبة قسمت أهل المدينة بعد غزوة تبوك إلى ثلاثة أصناف، ولم تتكلم عن طائفة رابعة، وهي التي أذِن لها النبي - ﵌ - بالتخلف أمثال الإمام علي وابن أم مكتوم، ونفر من الفقراء الذين لم يجدوا ما يستعينون به على الخروج.
_________________
(١) انظر: (ص: ٢٣ - ٥٠) من هذا الكتاب.
[ ٧٧ ]
فبينت آيات سورة التوبة أن الله تاب على الصحابة الذين شهدوا المعركة في الآية الأولى وهم الصنف الأول، واستثنى في الآية الثانية المنافقين من مجتمع المدينة، الذين تخلفوا عن الخروج وهم من الصنف الثاني، ثم قص الله علينا شأن ثلاثة من الذين تخلفوا عن المعركة من الصحابة، وأنه سبحانه قد تاب عليهم، بسبب صدقهم مع نبيه - ﵌ - وهم الصنف الثالث والأخير.
فأين النفاق في أولئك، مع وضوح الآيات الدالة على حقيقة ما وقع؟! وماذا بعد الحق إلا الضلال، بل إن الصحابة - ﵃ - كانوا من أكثر الناس خوفًا من الله ﷿ خشية على أنفسهم أن يقعوا في النفاق.
فعن سلام بن المستنير قال: (كنت عند أبي جعفر - ﵇ -، فدخل عليه حمران بن أعين فسأله عن أشياء، فلما همّ حمران بالقيام قال لأبي جعفر - ﵇ -: أخبرنا -أطال الله بقاءك لنا وأمتعنا بك- إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا.
قال: فقال أبو جعفر - ﵇ -: إنما هي القلوب مرة تصعب، ومرة تسهل، ثم قال أبو جعفر - ﵇ -: أما إن أصحاب رسول الله - ﵌ - قالوا: يا رسول الله، تخاف علينا النفاق؟ قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا ورغبتنا ووجِلنا، ونسينا الدنيا وزهدنا، حتى كأنّا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك ودخلنا هذه البيوت وشممنا الأولاد ورأينا العيال والأهل والأولاد، يكاد أن نحوّل عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنّا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال رسول الله - ﵌ -: كلا إن هذه من خطوات الشيطان ليرغبكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحاله التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا
[ ٧٨ ]
أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقًا لكي يذنبوا ثم يستغفروا، فيغفر لهم، إن المؤمن مفتّنٌ توابٌ، أما سمعت قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]) (^١).
٣ - أن الصحابة - ﵃ - معصومون في إجماعهم، فلا يمكن أن يجتمعوا على شيء من كبائر الذنوب أو صغيرها فيستحلوها ويفعلوها، وأما وقوع المعاصي من بعضهم ففيه الدلالة على عدم عصمة أفرادهم، ولا يضر هذا الزلل في عدالتهم، ولا يحطّ من مكانتهم.
ومما يدل على عدالتهم على وجه العموم، ما قام به الأئمة - ﵈ - من تمحيص لروايات الصحابة التي رووها عن النبي - ﵌ - فلم يجدوا بعد الفحص والنظر صحابيًا كذب كذبة واحدة على النبي - ﵌ -، ومع كثرة انتشار البدع في أواخر عهدهم كبدعة القدرية والخوارج والمرجئة، التي منشأها من تحكيم سقيم العقل وفساد الرأي، إلا أنه لم يوجد صحابي واحد في أولئك المبتدعة أبدًا، وهذا يدل على أن الله قد اصطفاهم ورعاهم، وميزهم واختارهم لصحبة نبيه - ﵌ - ونشر دينه القويم.
قال أبو عبد الله - ﵇ -: (كان أصحاب رسول الله - ﵌ - اثني عشر ألفًا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقِْض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير) (^٢).
_________________
(١) الكافي: (٢/ ٤٢٣)، بحار الأنوار: (٦/ ٤١)، تفسير العياشي: (١/ ١٠٩)، مجموعة ورام: (٢/ ٢١٠).
(٢) الخصال: (٢/ ٦٣٩)، بحار الأنوار: (٢٢/ ٣٠٥).
[ ٧٩ ]
وقد أثبت الإمام الصادق - ﵇ - عدالة أصحاب النبي - ﵌ - على صدق ما يروونه في حديثهم للنبي - ﵌ -.
فعن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله - ﵇ -: (ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان! قال: قلت: فأخبرني عن أصحاب رسول الله - ﵌ - صدقوا على محمد أم كذبوا؟ قال: بل صدقوا، قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: أما تعلم أن الرجل كان يأتي رسول الله - ﵌ - فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك بما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضًا) (^١).
ولو جاء مدّعٍ وقوع كذب في الصحابة أو حدوث نفاق في قلوبهم لقيل له مباشرة: فأين الدليل الصريح على استثناء بعضهم من هذا الادعاء؟
٤ - أنه لا يلزم من إثبات العدالة للصحابة - ﵃ - إثبات العصمة لهم من الأخطاء فهم بشر يخطئون ويصيبون، وإن كانت أخطاؤهم مغمورة في بحور حسناتهم.
فلهم من السوابق والفضائل التي لن يلحقهم فيها أحد، فهم الذين نصروا النبي - ﵌ - حين اجتمع عليه العرب، وجاهدوا بأموالهم وأولادهم وأنفسهم، وقاتلوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وبذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا سببًا في نشر ووصول هذا الدين العظيم إلينا، فهذه - بإذن الله-توجب مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب ما لم يصل إلى الكفر، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
_________________
(١) الكافي: (١/ ٦٥)، بحار الأنوار: (٢/ ٢٢٨).
[ ٨٠ ]
قال المجلسي: (وإذا زالت العدالة بارتكاب ما يقدح فيها، فتعود بالتوبة بغير خلاف ظاهر، وكذلك من حُدّ في معصية ثم تاب رجعت عدالته وقبلت شهادته، ونقل بعض الأصحاب إجماع الفرقة على ذلك) (^١).
وقال السيد أبو القاسم الخوئي: (ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، وإنه لا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة) (^٢).
وقال السيد محمد حسين فضل الله عن عدالة أئمة الجماعات المعاصرين، والذين هم أدنى منزلة ممن أكرمه الله بصحبة رسول الله - ﵌ -: (العدالة ليست العصمة، فقد يعصي المؤمن العادل ثم يتوب بعد انتباهه لذلك، على هدي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وأما كيف تثبت العدالة؟
فذلك بحسب الظاهر في سلوكه العام في المجتمع، بحيث يرى الناس فيه الإنسان المستقيم في دينه، وفي أخلاقه الفردية، أو الاجتماعية المرتبطة بالحدود الشرعية، كما تثبت بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، وبخبر الثقة بعدالته، ولا قيمة لخبر الفاسق في العدالة سلبًا أو إيجابًا) (^٣).
_________________
(١) بحار الأنوار: (٨٥/ ٣٠).
(٢) منهاج الصالحين: (٢/ ١٢).
(٣) المسائل الفقهية: (٢/ ١٧٤).
[ ٨١ ]