الصحابي: نسبة إلى صاحب، وله معانٍ عدة تدور في جملتها حول الملازمة والانقياد (^١).
والصحبة في اللغة أعم وأشمل تعريفًا في الإصطلاح الشرعي، فاستخدام الصحبة في اللغة لا يندرج ضمن التعريفات الاصطلاحية الشرعية، إذ هي وفق التعريف اللغوي غير مقيدة بقيود محددة كما هو الحال في المصطلح الشرعي وفقًا لما سنعرفه لاحقًا.
على سبيل المثال نورد جملة من معاني الصحبة اللغوية لدفع اللبس بينها وبين الصحبة في المصطلح الشرعي، ومن هذه الإطلاقات:
١ - الصحبة المجازية: وهي التي تطلق على اثنين بينهما وصف مشترك، وقد يكون بينهما أمد بعيد، كقول النبي - ﵌ - لبعض أزواجه: (إنكن صواحب يوسف) (^٢).
_________________
(١) لسان العرب: (١/ ٥١٩).
(٢) انظر البخاري كتاب الأذان رقم: (٧١٢)، بحار الأنوار: (٢٨/ ١٣٧).
[ ١٥ ]
٢ - الصحبة الإضافية: وهي التي تضاف للشيء لوجود متعلق به، كما يقال: (صاحب مال، صاحب علم إلخ).
٣ - صحبة القائم بالمسئولية: وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١].
٤ - صحبة اللقيا: تطلق الصحبة على التلاقي الذي يقع بين اثنين، ولو لمرة واحدة لسبب ما، ثم ينقطع.
وهذا كما جاء عن النبي - ﵌ - أنه قال: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) (^١)، فسمى - ﵌ - المشتري (صاحبًا) مع أن اللقيا وقعت مرة واحدة مع البائع حين يشتري منه السلعة وقد لا تتكرر.
٥ - صحبة المجاورة: وهي التي تطلق على المؤمن والكافر والعكس، وهو مصداق ما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ [الكهف: ٣٧].
وكما في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ [الكهف: ٣٤].
ويجوز أن تطلق الصحبة على من لا يعرف صاحبه ولم يلتق به يومًا، كما قال عبد الرحمن ابن عوف - ﵁ - للغلامين من الأنصار اللذين كانا يبحثان عن أبي جهل في غزوة بدر يريدان قتله بسبب سبه للنبي - ﵌ -، فقال لهما: (هذا صاحبكما الذي تسألان عنه) (^٢).
_________________
(١) مصدر سني مستدرك الوسائل: (١٣/ ٢٩٩).
(٢) انظر صحيح مسلم برقم: (١٧٥٢)، بحار الأنوار: (١٩/ ٣٢٧).
[ ١٦ ]
ووفق ما سبق ذكره يتضح أن مدلول الصحبة اللغوية لا يمكن انطباقه على الصحبة الشرعية ولا يمكن تعريفها طبقًا له، إذ لو كان (الصحابي) يُعرّف بالتعريف اللغوي للصحبة وفق الاستخدامات التي مرت، لكنّا نحن جميعًا في عداد الصحابة، ولكان اليهود والمنافقون والنصارى والمشركون الذين لقوا النبي - ﵌ - كذلك من باب أولى، إذ لا يشترط في اللغة للفظ المصاحبة اللقاء المستمر والإيمان بالله والموت على ذلك.
ومن ذلك على سبيل المثال نذكر قصة تطاول المنافق عبد الله بن أبي بن سلول على النبي - ﵌ -، وطلب عمر - ﵁ - من النبي - ﵌ - أن يأذن له بضرب عنقه، فقال له - ﵌ -: (دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) (^١).
فالنبي - ﵌ - ذكر الصحبة للمنافق في هذا الحديث، لكنه قصد الاستعمال اللغوي لا الاصطلاحي، وهذا من بلاغته - ﵌ - وحكمته، وفق ما تعارف عليه العرب في لغتهم، ولم يكن هناك من محظور في فهم الإطلاق اللغوي، وذلك لأمرين:
الأول: أن الإطلاق اللغوي لا يقصد منه التفريق بين الإيمان والنفاق؛ لأنه ليس له ضابط.
الثاني: أن النبي - ﵌ - قال عن سبب منع عمر - ﵁ - عن قتله للمنافق: (حتى لا يتحدث الناس)، والناس المشار إليهم هنا هم فئة ليست من الصحابة وفقًا للمصطلح الشرعي؛ لأن القرآن حينما خاطب أهل الإيمان كان يخاطبهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وحينما كان يوجه الكلام للكفار أو لعموم الناس مؤمنهم وكافرهم كان خطابه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾.
_________________
(١) شرح أصول الكافي/ مولى محمد سالم المازندراني: (١٢/ ٤٨٧). وانظر: الصحيح من السيرة/ السيد جعفر مرتضى: (٦/ ١٦٣).
[ ١٧ ]
ومن المعلوم بداهة أن الكفار هم أكثر الناس عداوة وحرصًا على الطعن في النبي - ﵌ - ودعوته، ولذلك حينما يقتل النبي - ﵌ - عبد الله بن أبي بن سلول، فلن يقول الكفار بأنه قد قتل منافقًا يستحق القتل، بل سيقال: (إن محمدًا يقتل أصحابه)، وسينتشر الخبر بين العرب ويتحقق ما يرمي إليه الكفار، وهو صد الناس عن قبول هذه الدعوة والالتفاف حول رسول الله - ﵌ - ولم يكن هذا التحديد اللغوي في فهم معنى الصحابي عسيرًا أو مشكلًا عند الكفار أو المنافقين فضلًا عن سائر المسلمين الأوائل؛ لأنهم كانوا أهل اللغة وفرسانها والبارعين في دروبها وميادينها، فمن اقتدى بفهمهم وسار على دربهم، وفقه الله لفهم سديد ورأي رشيد لكثير من المعضلات والمبهمات.
[ ١٨ ]