إن العيش الهنيء الذي ساد مجتمع الصحابة - ﵃ -، وكثرة الفتوحات المباركة والانتصارات العظيمة على أعداء الله، ابتداءً بطرد اليهود من المدينة ثم من الجزيرة وما تبعه من تقويض عرش فارس، ودخول جماعات جديدة في دين الإسلام والعيش مع المسلمين وهم من أهل فكر وأعراف سابقة لم ينزعوها من أذهانهم، كل هذا أوجد تربة خصبة لبذر الشقاق والفرقة في صفوف الأمة المسلمة.
فما سبق بيانه من رغد العيش وكثرة الفتوحات والتمكين لدين الله فإن كل ذلك لم يناسب أهل الأهواء، فحاولوا جاهدين بذر وسائل الفرقة في هذا المجتمع المبارك المثالي واستماتوا في إشعال نار التَّفرِقة والابتداع في الدين الإسلامي من خلال تفريق صفوف الصحابة - ﵃ -.
فكانت أولى مداخل الشر إشعال نار الفتنة وزرع بذور الشبهة من خلال إغواء النفوس المريضة، فتم ابتداع قضية الطعن في أصحاب النبي - ﵌ -، حتى يوهن جمع الصحابة ويفرق
[ ٦١ ]
صفوف المسلمين ويضعف قوتهم، فكان الذي تولى كبر هذا الأمر الشنيع ورفع راية ذلك المكر الخبيث، عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أثار الناس ابتداءً بالخروج لقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان - ﵁ -، وبعد ذلك قام بالكذب على لسان الإمام علي - ﵇ -، ونسب إليه جملة من الأقوال والمعتقدات اليهودية، وروجها وأشاعها بين كثير من قاصري النظر وضعاف الإيمان ومحبي الفتن.
ولما تطاير شرر هذه البدع الخطيرة بين الناس، وزين الشيطان لهم سوء أعمالهم، تناهت أقوالهم إلى سمع وعلم أمير المؤمنين علي - ﵇ -، فغضب ولم يتهاون ولم يغض الطرف عن هذه المقولات الشنيعة، فما كان منه إلا أن حفر الأخاديد وأشعل فيها النيران وهدد بإحراق كل من لم يتراجع عن هذا الافتراء الخطير، فأحرق منهم عددًا، وأجلى قومًا آخرين.
وقد نقل المجلسي في بحاره أن رجلًا قال لأمير المؤمنين - ﵇ -: (إن على باب المسجد قومًا يزعمون أنك ربهم! فدعاهم فقال: ويلكم! إنما أنا عبد الله مثلكم، آكل الطعام، وأشرب الشراب، فاتقوا الله وارجعوا.
فأتوه في اليوم الثاني والثالث، فقالوا مثل ذلك، فقال لهم - ﵇ -: والله إن تبتم وإلا قتلتكم أخبث قتلة، فدعا قنبرًا وأتى بقدوم، وحفر لهم أخدودًا بين باب المسجد والقصر فدعا بالحطب فطرحه والنار فيه، وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعون! فأبوا فقذف بهم فيها حتى احترقوا. وقال بعض أصحابه: لم يحرقهم، وإنما أدخن عليهم. ثم قال - ﵇ -:
لما رأيت الأمر أمر منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا
ثم احتفرت حفرًا وحفرا وقنبر يحطم حطمًا منكرا (^١)
_________________
(١) بحار الأنوار: (٣٤/ ٤١٤).
[ ٦٢ ]
فحذار أن يذهب بك التفكير - أيها القارئ الكريم- إلى أن هذه الشخصية التي حاكت المؤامرة الخبيثة كانت من نسج الخيال، أو جاءت من وهن المقال، بل كانت متواجدة في الساحة الإسلامية تدبر وتخطط، لذا لم يغفل عن بيان حالها العلماء، وكشفوا عوارها، فذكروا دورها الخبيث في تفريق صف الأسرة الإسلامية الواحدة، ونشر المفاسد الخطيرة في أذهان العوام.
وقد ترجم لشخصية عبد الله بن سبأ كثير من العلماء، منهم:
١ - سعد بن عبد الله الأشعري القمي (٣٠١ هـ): فقال: هذه الفرقة تسمى السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني، وساعده على ذلك عبدالله بن حرسي وابن أسود، وهما من أجلّة أصحابه، وكان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم (^١).
٢ - النوبختي (٣١٠ هـ): فقال: أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن عليًا - ﵇ - أمر بذلك فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلًا يدعو إلى حبكم أهل البيت، وإلى ولايتك والبراء من أعدائك؟ فصيره إلى المدائن إلى أن قال ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي الإمام علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلًا لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل ولا يموت حتى يملك الأرض (^٢).
_________________
(١) المقالات والفرق: (ص: ٢٠).
(٢) فرق الشيعة: (ص: ٢٢).
[ ٦٣ ]
٣ - الكشي (٣٦٩ هـ): فقال: عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله - ﵇ - يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين - ﵇ -، وكان - والله- أمير المؤمنين - ﵇ - عبدًا لله طائعًا، الويل لمن كذب علينا، وإن قومًا يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم.
وقال أيضًا: ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم، ووالى عليًا - ﵇ -، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله - ﵌ - في علي - ﵇ - مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم (^١).
٤ - شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (٤٦٠ هـ): حيث ترجم في رجاله عبد الله بن سبأ في باب (أصحاب علي - ﵇ -) وقال: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو.
وجاء في حاشية الكتاب: عبد الله بن سبأ - بالسين المهملة المفتوحة والباء المنقطة تحتها نقطة - غالٍ ملعون، حرقه أمير المؤمنين علي - ﵇ - بالنار، وكان يزعم أن عليًا - ﵇ - إله وأنه نبي (^٢).
٥ - العلامة علي القهبائي (١٠١٦ هـ): قال في رجاله: عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو (^٣).
٦ - العلامة الأربلي (١١٠١ هـ): قال: غال ملعون وإنه كان يزعم ألوهية علي ونبوته (^٤).
_________________
(١) انظر: رجال الكشي: (ص: ١٠٧، ١٠٨).
(٢) رجال الطوسي: (ص: ٥١).
(٣) رجال القهبائي: (٣/ ٢٨٤).
(٤) جامع الرواة: (١/ ٤٨٥).
[ ٦٤ ]
٧ - ميرزا النوري الطبرسي (١٣٢٠ هـ) فقد ذكر في كتابه مستدرك الوسائل في باب (حكم الغلاة والقدرية) رواية عن عمار الساباطي، قال: قدم أمير المؤمنين - ﵇ - المدائن، فنزل بإيوان كسرى، وكان معه دلف بن مجير منجّم كسرى، فلما زال الزوال قال لدلف: قم معي إلى أن قال: ثم نظر إلى جمجمة نخرة، فقال لبعض أصحابه: خذ هذه الجمجمة! وكانت مطروحة، وجاء إلى الإيوان وجلس فيه، ودعا بطست وصب فيه ماء، وقال له: دع هذه الجمجمة في الطست، ثم قال - ﵇ -: أقسمت عليك يا جمجمة أخبريني من أنا؟ ومن أنتِ؟ فنطقت الجمجمة بلسان فصيح، وقالت: أما أنت فأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأما أنا فعبد الله، وابن أمة الله: كسرى أنوشروان، فانصرف القوم الذين كانوا معه من أهل ساباط إلى أهاليهم، وأخبروهم بما كان وبما سمعوه من الجمجمة، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين - ﵇ -، وحضروه وقال بعضهم فيه مثل ما قال النصارى في المسيح، ومثل ما قال عبدالله بن سبأ وأصحابه، فقال له أصحابه: فإن تركتهم على هذا كفر الناس! فلما سمع ذلك منهم، قال لهم: ما تحبون أن أصنع بهم؟ قال: تحرقهم بالنار، كما أحرقت عبد الله بن سبأ وأصحابه (^١).
فهذا ما كتبه العلماء في بيان حقيقة المفسدين وهذه أقوالهم تجاه الغلاة الذين وضعوا في هذا الشرع المبارك الكذب والسم، فهل نعي هذا الحق الواضح وما قاله الأولون في حق أمير المؤمنين؟
_________________
(١) مستدرك الوسائل: (١٨/ ١٦٨)، مدينة المعاجز: (١/ ٢٢٦).
[ ٦٥ ]