كيف تقول بعدالة الصحابة، والله قد ذمهم في عدة مواضع في كتابه بآيات صريحة:
مثل قوله سبحانه عند تثاقلهم عن الجهاد: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ٣٨].
وجاء وعيد الله وتحذيره لهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
وأيضًا ذم الله عدم خشوع قلوبهم لذكره، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦].
أو عند تركهم للنبي - ﵌ - عند قدوم التجارة، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١].
الجواب:
أولًا: يجب على المسلم أن يكون باحثًا عن الحق تاركًا للتعصب الفكري، طالبًا للهداية كما نقرأ في صلاتنا قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وأن يجتنب الباطل ولو كان صادرًا من عالم أو شيخ يقلده؛ لأن الله ذم أهل التعصب، الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا
[ ١٠٩ ]
آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣].
ثانيًا: لا بد أن نعلم أن أصحاب النبي - ﵌ - غير معصومين من الخطأ، والإسلام حفظهم من رذائل الجاهلية التي كانت متفشية في مجتمعاتهم.
فلما أتاهم النبي - ﵌ - داعيًا إلى توحيد الله بفعل الطيبات، وترك ما كانوا عليه من مفاسد، استجابوا له وآمنوا به اختيارًا منهم، فَعَلَّمهم الله وَوَجَّههم إلى الخير والصلاح ونهاهم وحذرهم من المحرمات، فكان يناديهم في كتابه العزيز بقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
فالصحابة - ﵃ - قد تعلموا عن طريق الأخطاء الناتجة من بعضهم بسبب جهلهم بهذا الدين الجديد أو تأثرهم بالجاهلية، وهذا يشمل الصحابة من أهل بيت النبي - ﵌ - كالعباس وحمزة وجعفر الطيار وغيرهم من الصحابة من غير أهل البيت.
وهذه الأوامر والنواهي والتحذيرات لم ولن تختص بأصحاب النبي - ﵌ - فقط بل هي حجة على الأمم المتبعة لهدي المصطفى - ﵌ -، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثالثًا: لنفترض جدلًا أننا وإن لم نفهم القرآن ونفقه تفسيره، ماذا سيكون جوابنا حينما يقول لنا أحد المستشرقين المتعصبين: إن نبي الإسلام محمد بن عبد الله يطيع الكفار والمنافقين مثلما جاء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ [الأحزاب: ١].
بل يدعي على ديننا فيقول: إن نبيكم يحلل ما حرمه الله فقط لإرضاء زوجاته، مثل ما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]، أو أن نبيكم كان يريد أن يصلي على المنافقين ليترحم عليهم: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ
[ ١١٠ ]
مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤] فلابد أن يكون جوابك أيها المحب بأن النبي - ﵌ - لا يعصي ربه فيما أمره به والآيات تفيد بأن الله تعالى يعلّم نبيه شرعه ودينه ليبلغه للناس، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥].
رابعًا: ما جوابنا حينما يقول لنا ناصبي مبغض لأهل بيت النبي - ﵌ -: لماذا لم يقاتل النبي المنافقين ويغلظ عليهم، وقد أمره الله بذلك في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؟
ثم لماذا لم يجاهد علي بن أبي طالب المرتدين والمنافقين من الصحابة بعد النبي - ﵌ - خاصة الذين غصبوا خلافته؟ (كما يزعم الغلاة).
فهل عاملهم بغلظة كما ورد في الآية الكريمة؟! أم خالف القرآن وعامل الصحابة بلين ونصح ومشورة كما ثبت في التاريخ؟! أليس ما فعله النبي - ﵌ - وأمير المؤمنين - ﵇ - مخالف للقرآن؟!
خامسًا: ما جوابنا حينما يسألنا الناصبي ويقول: إن عليا - ﵇ - هو المعني بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]
لأنه خالف القرآن واتخذ أعداء الله أولياء له! واستدل الناصبي لطعنه الباطل بظاهر القرآن والروايات الواردة عن النبي - ﵌ - أنه قال: (ما أنزل الله ﷿ آية وفيها قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا وعلي - ﵇ - رأسها وأميرها) (^١).
_________________
(١) انظر اليقين في إمرة أمير المؤمنين: (ص: ١٧٤، ١٧٧)، بحار الأنوار: (٤٠/ ٢١).
[ ١١١ ]
واستدل أيضًا بما ثبت في صحيفة الإمام الرضا - ﵇ - أن النبي - ﵌ - قال: (ليس في هذا القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا في حقنا) (^١)، ثم يقول هذا الناصبي: إذًا: إن عليًا في رأس هذه الآية وغيرها!.
ألا يستحق هذا الناصبي أن نقول إنه أظهر عداوته وطعنه في أمير المؤمنين - ﵇ - وانكشف حقده الدفين على أهل السبق في الإسلام الذين عرفوا بجهادهم مع رسول الله - ﵌ - والذين هم أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه من أمثال أمير المؤمنين علي - ﵇ -.
كما نقول: إن هذا الكلام باطل وتحريف كتحريف اليهود الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو زيغ في قلوب الذين يتبعون المتشابه من الكلم، كما لايليق بأصحاب النبي - ﵌ - أن نصفهم بالردة والنفاق لأن ذلك يعد تحريفًا لكلام الله، وخلافا لظاهر القرآن، وخلافا لسنة النبي - ﵌ -، ومناف لمقتضى تكريم الله لنبيه - ﵌ -، حيث خصه بصحب كرام يرضى عنهم، كما أنه مخالف للعقل السليم وواقع الحال.
_________________
(١) المناقب: (٣/ ٥٣)، البرهان (سورة البقرة آية: ١٥٣).
[ ١١٢ ]