ماذا تقول عن موقف أبي بكر الصديق، وما وقع في أول خلافته من إرساله الصحابة بقيادة خالد بن الوليد وإستباحتهم دماء المسلمين لمجرد جهلهم المتمثل في عدم دفع الزكاة مثل ما فعلوا بقوم مالك بن نويرة، وقتل خالد له، ودخوله على زوجة مالك في نفس الليلة؟
الجواب:
أولًا: الزكاة أهم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي حق للفقراء والمساكين وغيرهم من مال الأغنياء، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله ما بين الصلاة والزكاة في كتابه العزيز، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ [البقرة: ١١٠].
وعن أبي جعفر - ﵇ - قال: (إن الله ﷿ قرن الزكاة بالصلاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة) (^١).
وعن محمد بن مسلم وأبي بصير وبريد وفضيل كلهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله - ﵁ - قالا: (فرض الله الزكاة مع الصلاة) (^٢)، لذلك فإن الحكم في تارك الزكاة كالحكم في تارك الصلاة ألا وهو القتل، وهذا ما أثبته الثقلان: (كتاب الله والأئمة - ﵈ -).
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
_________________
(١) الكافي: (٣/ ٥٠٦)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٠)، وسائل الشيعة: (٩/ ٢٢).
(٢) الكافي: (٣/ ٤٩٧)، وسائل الشيعة: (٩/ ١٣).
[ ١٤٣ ]
رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، وعن أبان بن تغلب قال: قال لي أبو عبد الله - ﵇ -: (دمان في الإسلام حلال من الله، لا يقضي فيهما أحد حتى يبعث الله قائمنا أهل البيت، فإذا بعث الله ﷿ قائمنا أهل البيت حكم فيهما بحكم الله، لا يريد عليهما بينة: الزاني المحصن يرجمه، ومانع الزكاة يضرب عنقه) (^١).
وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكان يرفعه، عن رجل، عن أبي جعفر - ﵇ - قال: (بينا رسول الله - ﵌ - في المسجد إذ قال: قم يا فلان! قم يا فلان! قم يا فلان! حتى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه وأنتم لا تزكون) (^٢).
ثانيًا: من المعلوم وفق الروايات التاريخية - التي رواها كبار العلماء - أنه قد ارتد الكثير من الأعراب عن الإسلام بعد موت النبي - ﵌ -، وترك بعضهم الزكاة وغيرها.
وقد ذكر الطوسي في الأمالي عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: ارتد الأشعث بن قيس وأناس من العرب لما مات النبي - ﵌ -، فقالوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة، فأبى عليهم أبو بكر ذلك، وقال: لا أحُلّ عقدة عقدها رسول الله - ﵌ -، ولا أنقصكم شيئًا مما أخذ منكم نبي الله - ﵌ - ولأجاهدنكم، ولو منعتموني عقالا مما أخذ منكم نبي لجاهدتكم عليه، ثم قرأ
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (^٣).
ولتدارك هذا الموقف أرسل أبو بكر الصديق - ﵁ - جيوش المسلمين بقيادة خالد بن
_________________
(١) الكافي: (٣/ ٥٠٣)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٢)، وسائل الشيعة: (٩/ ٣٣)، مستدرك الوسائل: (٧/ ٢٥)، بحار الأنوار: (٥٢/ ٣٢٥).
(٢) الكافي: (٣/ ٥٠٣)، من لا يحضره الفقيه: (٢/ ١٢)، وسائل الشيعة: (٩/ ٢٤)، تهذيب الأحكام: (٤/ ١١١).
(٣) الأمالي للطوسي: (ص: ٢٦٢)، بحار الأنوار: (٢٨/ ١١).
[ ١٤٤ ]
الوليد - ﵁ - لمحاربة هؤلاء المرتدين، ومن بين هؤلاء قوم مالك بن نويرة (^١)، الذين امتنعوا عن دفع الزكاة.
ثالثًا: شنع الكثير من أهل الأهواء والفتن على أبي بكر الصديق - ﵁ - في إرساله خالد بن الوليد في الغزوات والحروب، واتخذوا مسارعة وحزم خالد بن الوليد مع أعداء الإسلام ذريعة لاتهامه بقتل الناس واستباحة أموالهم زورا وبهتانًا، ومن ثم الطعن فيه وإخفاء حسناته بقصد تشويه تاريخه ومكانته في الإسلام.
ونقول لهؤلاء إن أبا بكر - ﵁ - فعل ذلك أسوة بالنبي - ﵌ - الذي أمَّر خالد بن الوليد في عدة سرايا وبعوثٍ خاصةً في آخر حياته - ﵌ -، كبعثه إلى الطائف، وأهل اليمن، وهدم العزى والبحرين، ودومة الجندل، وغيرها كثير، وهذه المزايا والصفات القيادية التي اتصف بها خالد بن الوليد - ﵁ -، تجعلنا نكرمه ونقدر دوره في دك معاقل الكفر، ولا ندعي الكمال والعصمة فيه ولا في غيره من الصحابة - ﵃ -.
رابعًا: قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]، هذه الشروط الثلاثة التي ذكرها الله في الآية: (الاستخلاف في الأرض، والتمكين لدين الله، وإبدال الخوف بالأمن) توفرت في زمن الصحابة - ﵃ -، ولم يحصل ذلك إلا حينما قاتلوا المرتدين بعد وفاة النبي - ﵌ -، وأسقطوا دولتي فارس والروم.
خامسًا: إن قصة قتل خالد بن الوليد - ﵁ - لمالك بن نويرة، جاء فيها ثلاث روايات:
_________________
(١) انظر: (ص: ٩٦) من هذا الكتاب.
[ ١٤٥ ]
الأولى: أن خالد بن الوليد - ﵁ - جاء لمالك بن نويرة وقومه، فقال لهم: أين زكاة الأموال؟ ما لكم فرقتم بين الصلاة والزكاة؟
فقال مالك بن نويرة: إن هذا المال كنا ندفعه لصاحبكم في حياته، فمات، فما بال أبي بكر؟ فغضب خالد بن الوليد وقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر ضرار بن الأزور أن يضرب عنقه.
وقيل: إن مالك بن نويرة قد تابع سجاح التي ادعت النبوة.
وهناك رواية ثالثة وهي: أن خالد بن الوليد - ﵁ - لما كلم قوم مالك بن نويرة، وزجرهم عن هذا الأمر وأسَرَ منهم من أسر، قال لأحد حراسه: أدفئوا أسراكم؟ وكانت ليلة شاتية وكان من لغة ثقيف (أدفئوا الرجل) تعني: اقتلوه، فظن الحارس أن خالدًا - ﵁ - يريد القتل فقتلهم وفق فهمه بدون أمر خالد بن الوليد - ﵁ -.
ولو تمسكنا بأي رواية مما سبق، فإن كان الخطأ قد وقع من خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة، فإن العذر يلحقه من باب قتله لمانع للزكاة، أو لمتابعة لسجاح الكذابة، أو أنه كان متأولًا، وهذا التأويل ليس بمسوغ لإقامة الحد والقصاص على خالد - ﵁ -. ومثل ما وقع فيه خالد - ﵁ - من خطأ، فإنه قد حدث مثله مع الصحابي الجليل أسامة بن زيد - ﵄ -، حينما تأول في قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، ولم يوجب النبي - ﵌ - عليه دية أو كفارة.
قال القمي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]: إنها نزلت لما رجع رسول الله - ﵌ - من غزوة خيبر، وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحس بخيل رسول الله - ﵌ - جمع أهله وماله، وصار في ناحية
[ ١٤٦ ]
الجبل، فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فمر به أسامة بن زيد فطعنه وقتله، فلما رجع إلى رسول الله - ﵌ - أخبره بذلك، فقال له رسول الله - ﵌ -: (قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذًا من القتل! فقال رسول الله - ﵌ -: فلا شققت الغطاء عن قلبه، لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أنه لا يقاتل أحدًا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله) (^١).
سادسًا: القول بأن خالدا - ﵁ - قتل مالك بن نويرة، ثم تزوج امرأته في تلك الليلة قول باطل لا يستند إلى رواية صحيحة، وما قيل بشأن ذلك إتهام باطل.
خاصة إذا علمنا ان أهل الأهواء والفتن لم تكن لهم قدوة حسنة في حبهم لأصحاب النبي - ﵌ -، ولا الإنصاف لهم أو حسن الظن بهم، بل إنهم يهرعون إلى الروايات الضعيفة المتناثرة في الكتب مع تحريفهم لمعانيها، وتأويلهم لها تأويلًا باطلًا، كما هو الحال في قصة زواج خالد بن الوليد - ﵁ - من امرأة مالك بن نويرة، إذ جعلوا خالدًا - ﵁ - يحرص على قتل مالك لأجل الظفر بزوجته، وهذا من البهتان.
وهذا القول ليس بمستغرب على من يريد أن ينشر الفتنة في الناس من خلال الطعن في أصحاب النبي - ﵌ -، بل يستطيع كل صاحب فتنة أن يتأول ويحرف القصص والروايات والتاريخ على وفق ما يهواه من الكذب وغيره، من دون الرجوع إلى الأسانيد الصحيحة الموافقة للصواب، لهذا السبب نفسه استطاع المستشرقون أن يطعنوا في النبي - ﵌ - كما طُعن في خالد بن الوليد.
_________________
(١) تفسير القمي: (١/ ١٤٨)، بحار الأنوار: (٢١/ ١١)، مستدرك الوسائل: (١٦/ ٧٩).
[ ١٤٧ ]
فماذا سنقول ونرد لو قال لنا أحد المستشرقين الحاقدين: إن النبي - ﵌ - قد نظر إلى امرأة زيد بن حارثة وهي تغتسل وأعجب بها، وطلقها من زوجها حتى تحل له.
قال الرضا - ﵇ -: (إن رسول الله - ﵌ - قصد دار زيد بن حارثه بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى امرأته تغتسل فقال لها: سبحان الذي خلقك! وانما أراد بذلك تنزيه الباري ﷿ عن قول من زعم إن الملائكة بنات الله، فقال الله ﷿: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [الإسراء: ٤٠] فقال النبي: لما رآها تغتسل: سبحان الذي خلقك أن يتخذ له ولدًا يحتاج إلى هذا التطهير والاغتسال، فلما عاد زيد إلى منزله أخبرته امرأته بمجيء رسول الله - ﵌ - وقوله لها: سبحان الذي خلقك! فلم يعلم زيد ما أراد بذلك، وظن أنه قال ذلك لما أعجبه من حسنها، فجاء إلى النبي - ﵌ - وقال له: يا رسول الله! إن امرأتي في خلقها سوء، وإني أريد طلاقها! فقال النبي - ﵌ -: أمسك عليك زوجك واتق الله.
وقد كان الله ﷿ عرفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد وخشى الناس أن يقولوا: إن محمدًا يقول لمولاه: إن امرأتك ستكون لي زوجة، يعيبونه بذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] يعنى بالإسلام، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يعني بالعتق، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه، فزوجها الله ﷿ من نبيه محمد - ﵌ - وأنزل بذلك قرآنا، فقال ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧]) (^١).
_________________
(١) عيون أخبار الرضا: (١/ ٢٠٣)، الاحتجاج: (٢/ ٤٣١)، بحار الأنوار: (٢٢/ ٢١٦).
[ ١٤٨ ]
فالحاقدون من الكفار والمنافقين الظانين بالله ظن السوء يطيرون فرحًا بمثل هذه الأقاويل الواهية، لكن المحب للنبي - ﵌ - وصحابته لا يحرف الكلم، ولا يختلق القصص الباطلة والروايات الموضوعة، فينزه النبي - ﵌ - عن كل زلة أو هفوة تخل بعصمته، ويلتمس العذر لأصحاب النبي - ﵌ -، ويحسن الظن بهم إن وقع منهم ما يظن أنه زلة أو هفوة.
أما إن ثبت من الصحابة - ﵃ - ما يفيد الخطأ برواية معتمدة مقبولة، فإن الواجب على المسلم أن لا يُظهر المساوئ ويطير فرحا بصيدها، بل عليه أن يقذفها في بحار حسناتهم ويغضُ الطرف عنها ويمسك اللسان عن بيانها؛ لأن دلالة الحب العفو والصفح والغفران لأهل الفضل والإيمان، وأما الروايات الباطلة، فهي كما قال الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد: ١٧].
[ ١٤٩ ]