كيف يمكن لنا أن نحكم على عدالة وصدق من حكم الله على ردتهم وتبديلهم لدينهم يوم القيامة، مثلما هو وارد في حديث الحوض، والذين قال فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي)، ثم أتاه الجواب الحاسم من ربه: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم؟
الجواب:
أنه وفقًا لما سبق بيانه من تعريف وتوضيح للمقصود (بالصحابي) فإن أهل البيت - ﵈ - والصحابة لما سمعوا حديث النبي - ﵌ - (الحوض) زادهم ذلك خوفًا من النفاق، فجدوا في إخلاص العمل لله تعالى، رغم أنهم يعلمون أن المقصود من قول النبي - ﵌ - (أصحابي أصحابي) أُناسٌ لهم أوصاف معلومة مخالفة لمنهج الحق هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يمكن توجيه هذا الحديث إلى أن المراد (بالصحابي) أحد الأصناف التالية:
أولًا: أن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد النبي - ﵌ -، كما قال الله ﵎: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١].
والمنافقون فيهم من عَلِمَ النبي - ﵌ - باطنه - وهم الأكثر- وفيهم من لم يعلمه وأولئك الذين قال فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي) كانوا من المنافقين الذين خفي باطنهم على النبي - ﵌ -، كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].
[ ١٠٥ ]
فالذين قال فيهم (أصحابي) عند الحوض كانوا من المنافقين المتواجدين في المدينة والذين كان يظن - ﵌ - أنهم من الصحابة، ولم يكونوا كذلك، لعدم معرفته - ﵌ - للغيب وأحوال الناس الباطنة، وكان الحكم الشرعي يقتضي الحكم على الظاهر فقط.
ثانيًا: قد يكون المراد بالأصحاب هنا أولئك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي - ﵌ -، كحال الكثير من العرب المرتدين، وممن أسلموا في السنوات الأخيرة.
روى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاوس أنه قال: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي - ﵌ - في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس.
ثم قال: ارتد بنو تميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها، وكانت لهم ثلاث عساكر، باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني وفيه بنو شيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي وارتد بنو عامر إلا علقة بن علاثة (^١).
ثالثًا: قد يراد بكلمة (أصحابي) كل من صحب النبي - ﵌ - على هذا الطريق القويم، ولو لم يره، ويدل على هذا رواية: (أمتي، أمتي) ورواية: (إنهم أمتي).
وأما قول النبي - ﵌ -: (أعرفهم)، فالنبي - ﵌ - قد بين أنه يعرف هذه الأمة من آثار الوضوء، وهذا كما قال الله ﷿ على لسان النبي - ﵌ -: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠] فالنبي - ﵌ - لا يقصد بالقوم أصحابه ومن كان في
_________________
(١) بحار الأنوار (٢٨/ ١١).
[ ١٠٦ ]
زمنه، بل هذا تحذير عام لجميع أمته من هجرهم القرآن بعده، فهؤلاء هم الذين يقول فيهم النبي - ﵌ -: (أصحابي أصحابي). فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.. أي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم.
وخلاصة ما سبق:
يمكن القول بأن أهل البيت - ﵈ - قد فهموا مراد النبي - ﵌ - من الحديث، وهذا الفهم منهم ظهر جليًا في حياتهم بأقوالهم وأفعالهم مع الصحابة وذلك من خلال توثيق الصلة بهم تجلى ذلك في المصاهرات بين الصحابة وأهل البيت وهو أمر يدل على شيوع المحبة والمودة بينهم، كما أنه لم يثبت عن أي أحدٍ من أهل بيت النبي - ﵌ - أنه أطلق كلمة النفاق على أحدٍ من الصحابة - ﵃ -، وهذا فيه دلالة صادقة منهم على ترابطهم مع الصحابة بعيدًا عن المنافقين.
[ ١٠٧ ]