ماذا تقول من فعل الصحابة يوم الخميس قبل وفاة النبي - ﵌ - بأربعة أيام، وما حصل بينهم من خلاف، ورفع أصواتهم عليه وعصيانهم لأمره - ﵌ - في عدم إحضارهم الكتف والدواة ليكتب لهم كتابًا لن يضلوا بعده، واتهموه (بالهجر) وقال عنه عمر بن الخطاب: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) حتى غضب عليهم النبي - ﵌ - وأخرجهم من بيته، وعبّر ابن عباس عن تلك الحادثة بأنها رزية؟
الجواب:
أولًا: لابد لنا أن نسأل أنفسنا أولًا: كيف كانت حالة النبي - ﵌ - الصحية في تلك الفترة؟ وما سبب خلاف الصحابة عنده؟
إن تلك الحادثة حدثت قبل وفاة النبي - ﵌ - بأربعة أيام، وهو على فراشه، وكان يوعك وعكًا شديدًا من شدة الألم، بل كان - ﵌ - من قسوة الألم يغمى عليه تارة ويفيق تارة أخرى وقال للصحابة حينها: (ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعدي أبدًا) فاختلف الصحابة فيما بينهم فمنهم من أراد أن لا يجهد النبي - ﵌ - في مرضه، وظن أن الأمر لم يكن بحتم واجب إنما كان على سبيل الاختيار والتذكير، ومنهم من أراد إحضار الكتف والدواة للكتابة.
ثانيًا: ليس بمقدور أي كائن بعد النبي - ﵌ - أن يتخيل ما دار في تلك اللحظة تخيلًا واضحًا، مثل أولئك الذين شهدوا تلك الحادثة، ونظروا إلى معاناة النبي - ﵌ - في مرض الموت، وخاصة أنه لم تمر عليهم حالة مشابهة من قبل فاختلفت آراؤهم لعدم سبق علم بها.
ثالثًا: التمسك بهذه الحادثة على أن فيها مغمزًا ومطعنًا في الصحابة - ﵃ - شيء جديد لم يسبق إليه أحد من قبل، ذلك أن الصحابة - ﵃ - مرت عليهم الواقعة مرور الكرام وعلموا
[ ١١٩ ]
أنها لم تتضمن أي شبهة في اتهام الصحابة بعضهم لبعض بالنفاق أو الكفر، فهل من تأخر عنهم يكون أعلم وأبصر من أولئك الجمع كلهم الذين عاشوا بعد النبي - ﵌ -؟!
رابعًا: لو حصرنا النقاط التي يمكن أن يكون فيها مطعن في عدالة الصحابة - ﵃ - من هذه الحادثة، لأمكن حصرها في النقاط التالية:
أ) رفض الصحابة الإذعان لأمر النبي - ﵌ -.
ب) اختلافهم عند النبي - ﵌ - وارتفاع أصواتهم الدالة على عدم التوقير.
ج) سوء كلام بعض الصحابة على مقام النبي - ﵌ - ووصفه بالهجر.
د) رفض عمر بن الخطاب الانصياع لطلب النبي - ﵌ -.
ويمكن بيان الرد موجزًا على هذه الشبه بالآتي من القول:
(رد أمر النبي - ﵌ -) الصحابة - ﵃ - لم يخالفوا طلب النبي - ﵌ -، ولكنهم كانوا يظنون أن المرض لربما غلب على النبي - ﵌ - مثل حال بقية الناس؛ لأنهم لم يرو النبي - ﵌ - على هذه الحالة من قبل، وكانوا يعلمون أن كتاب الله بين أيديهم، والدين قد تم بيانه وكمل تشريعه، فلذا كانوا مترددين لعدم علمهم بالمقصود من قول النبي - ﵌ -.
(اختلافهم وارتفاع أصواتهم) ليس هناك من دليل صريح يدل على ارتفاع أصواتهم على صوت النبي - ﵌ -، ولو صدر هذا منهم لنزل الوحي بالتوبيخ واللوم من الله، وبخاصة وأن سورة الحجرات قد تم فيها تفصيل الأدب من حيث كيفية الكلام مع النبي - ﵌ -.
والصحابة لم يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي - ﵌ - بل رفعوا أصواتهم على بعضهم بسبب اختلافهم في الاستفسار وفي المقصود من طلب النبي - ﵌ - الكتابة لهم، فلما طال نقاشهم فيما بينهم نهرهم النبي - ﵌ - عن هذا الخلاف فقط، ولو كان هناك أمر يتجاوز هذا الحد لنزل بهم أمر من الله سبحانه يجتث الخطأ من أساسه.
[ ١٢٠ ]
(مقولة بعض الحاضرين: أهجر) ينبغي علينا أولًا أن نعلم أن الرواية لم تحدد من قال هذه الكلمة، فلعله أحد المنافقين الحاضرين، أو صحابي استفسر مستفهمًا عن صحة النبي - ﵌ - بعد مقولته عن الكتابة فقال: هل يقع منه الهجر كما يقع من أحدنا؟ فاختصر كل هذا القول بكلمة واحد، أو لعلها من استفهام القائل: كيف لا نأتي بالكتف والدواة؟! أيُظن أن النبي - ﵌ - يهجر بالكلام ويقول بالهذيان كغيره! لأنه ربما اختلط عليه سماع كلام النبي - ﵌ - وذلك لبحَّة في صوته أو غلبة اليبس بالحرارة على لسانه، مثلما يقع في الحميات الحارة، وقد ثبت بإجماع أهل السير أن نبينا - ﵌ - كانت فيه بحة صوت عارضة له في مرض موته - ﵌ -.
وعليه فالسبل التي يمكن أن توجه فيها هذه الكلمة كثيرة، ومن أراد فعليه الرجوع إلى كتب اللغة العربية ليستوضح دلالات هذه الكلمة، فليس هناك من يعرف على وجه الدقة من كان موجودا في ذلك الموقف قرب النبي - ﵌ - إلا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس، ويجب ألا يستغرب القارئ من كثرة هذه التعليلات تجاه هذه الكلمة، لأن من قيلت أمامهم هذه الكلمة لم ينكروها أو يذموا قائلها.
(رفض عمر الامتثال لأمر النبي - ﵌ -) كيف يظن بعمر - ﵁ - أنه يرفض طلبًا يسيرًا للنبي - ﵌ -، وهو الذي لم يبخل بشيء طوال مرافقته للنبي - ﵌ -؟
وأما قول عمر بن الخطاب للصحابة: (قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) فيمكن أن يوجه كالتالي:
أن عمر بن الخطاب - ﵁ - أراد من الصحابة أن لا يجهدوا النبي - ﵌ - بالكلام وكثرة الأسئلة، وهو في المرض الشديد، شفقة عليه، وهذا ما يبينه قوله: (وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله) أي إن الله أكمل دينه وبيّن شرائعه في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾
[ ١٢١ ]
وكما في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾.
والذي يظهر أنما أراد النبي - ﵌ - أن يكتبه هو من باب الإرشاد والإصلاح والتذكير وليس بالأمر الجديد الواجب تبليغه للأمة، إذ لو كانت الكتابة واجبة لألزم الصحابة بما يريد كتابته، ولكان حاله مثل حال الكتاب الذي سطّره أمير المؤمنين علي في صلح الحديبية حيث ألزمه النبي - ﵌ - بما أراد كتابته عند عقد الصلح مع قريش.
ويمكن القول إنه لو فهم أهل بيت النبي - ﵌ - أن هناك أمرًا واجبًا لا مناص منه لحرصوا على تدوينه وكتابته لكنهم فهموا أن المراد هو التأكيد على أمور سبق للنبي - ﵌ - بيانها للأمة مثل التمسك بالتوحيد والصلاة.
ومن خلال ما سبق، يتبين لنا أنه لو كان النبي - ﵌ - مأمورًا بتبليغ شيء واجب بالنص لا غنى للأمة عنه، لبلغه في جميع الأحوال امتثالًا لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧] كما أنه ليس من عادته ترك التبليغ مراعات لخواطر الناس في بداية الدعوة، فكيف يترك ذلك في آخر حياته، وبعد أن مكن الله له وصارت الكلمة تنتهي إليه، فدل تركه - ﵌ - للكتابة على أنها لم تكن واجبة عليه، بل هو أمر محمول على الندب والتذكير لا على الوجوب والتشريع وقد عاش - ﵌ - أربعة أيام بعد ذلك، ولم يأمرهم بإعادة الكتابة.
خامسًا: لابد للمسلم أن يُطهِّر قلبه من الحقد والبغض تجاه أصحاب النبي - ﵌ -، وأن يحبهم كما كان هدي الأئمة - ﵈ -، ونقول له: إن التبس عليك أمر في حق الصحابة - ﵃ - أو غيرهم، فالتمس لهم العذر، كما ثبت عن الأئمة - ﵈ - أنهم قالوا: (احمل أخاك المؤمن على سبعين محملًا من الخير.. الحديث). وقولهم - ﵈ - (كذّب سمعك وبصرك عن أخيك).
وما روي في الكافي عن الحسين بن المختار عن أبي عبد الله - ﵇ - قال: قال أمير المؤمنين - ﵇ - في كلام له: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن
[ ١٢٢ ]
بكلمة -خرجت من أخيك- سوءًا؛ وأنت تجد لها في الخير محلًا) عن أبي بن كعب: (إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوا لها سبعين تأويلًا..) (^١) انتهى.
فمن الأولى بنا أن نسير على هدي الأئمة - ﵈ -، وأن نلتمس العذر لأصحاب النبي - ﵌ - وما كانوا فيه من هلع وحيرة عند مشاهدتهم لحبيبهم وما يعانيه من ألم مبرح.
وقد أثنى الله ﵎ عليهم وقال عنهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقد كانوا ينكرون على بعضهم في مسائل فقهية أقل من ذلك.
لماذا الطعن الآن بعد مضي تلك القرون الكثيرة على أصحاب النبي - ﵌ - وعلى هذه الحادثة وغيرها؟! وما الهدف من ذلك؟
أهؤلاء أعلم وأحرص على النبي - ﵌ - من نفسه؟!
أم يحبون النبي - ﵌ - أكثر من أصحابه؟! أم هو إتباع هوى؟!
سادسًا: أن وصف ابن عباس - ﵁ - لما جرى (بالرزية)، لم يكن وقت حصول الحادثة ولكنه قالها بعد ذلك بسنين عندما تذكر حزنه على وفاة النبي - ﵌ -.
سابعًا: لو سرنا في دروب الطعن والتفتيش عن سراب الشبه، فماذا سيكون ردنا لو قال لنا أحد النواصب: إن علي بن أبي طالب هو سبب تلك المشاكل؛ لأنه كان في بعض الأحيان يعارض النبي - ﵌ -، ولا يمتثل لأمره ابتداءً، مثلما حدث منه في صلح الحديبية من عدم مسح اسم النبي - ﵌ -، وعدم حلق رأسه ونحر هديه كغيره من الصحابة، وعدم قبوله بالاستخلاف بالمدينة في غزوة تبوك.
بل شارك في رفض أمر النبي - ﵌ - وهو على فراش الموت عندما طلب منه النبي - ﵌ -
_________________
(١) انظر: الحدائق الناضرة: (١٥/ ٣٥٣).
[ ١٢٣ ]
ومن غيره أن يحضروا له الكتف والدواة حتى لا يضل المسلمون، فلم يستجب لذلك حتى مات النبي - ﵌ -، بل غيّر أحكام الشريعة الإسلامية في الحكم على الغلاة فعاقبهم بالإحراق بدلًا من القصاص الشرعي (^١).
فبهذا السؤال يتضح لنا منهجية أعداء الإسلام ومن ناصب العداء لأهل بيت النبي - ﵌ - ومن ناصب العداء لأصحاب النبي - ﵌ -.
_________________
(١) انظر: بحار الأنوار (٣٤/ ٤١٤).
[ ١٢٤ ]