كيف تقول بعدالة الصحابة، وهم قد عارضوا النبي - ﵌ - في صلح الحديبية، بسبب عصيانهم لأمره، عندما أمرهم أن يحلقوا وينحروا فلم يستجيبوا لأمره؟ بل إن عمر صرح بالمعارضة لقرار النبي - ﵌ - في اتفاقه وصلحه مع المشركين فقال للنبي: (ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قال عمر: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، فقال عمر: فلم نعط الدنية من ديننا إذًا)؟
الجواب:
أولًا: يجب على المسلم ألا يقذف التهم جزافًا من غير تبيين وتمحيص لأسباب الحوادث وينبغي عليه أن يكون منصفًا إن أراد الحق، ولا يشنع ويقسو ابتداءً على أحد، وخاصة أصحاب النبي - ﵌ - بغير علم، ولابد أن يعرف مقدار حب الصحابة لنبيهم، والذي تجلى واضحًا في أحوال ومناسبات عديدة، ومنها مبادرتهم إلى التبرك بأثره - ﵌ - من أخذ فضل وضوئه، ولم يكن ليبصق - ﵌ - بصاقًا ولا يتنخم نخامة إلا ويتلقونها بأكفهم فيدلكوا بها وجوههم وأجسادهم، ولم تسقط منه شعرة - ﵌ - إلا ويبتدرون إلى أخذها لنيل البركة منه مثلما جاء في رواية عروة بن مسعود (^١).
ثانيًا: الصحابة في صلح الحديبية لم يعصوا النبي - ﵌ - عندما أمرهم، بل كان لهم شوق عظيم لبيت الله الحرام، فتمنوا عندما أمرهم النبي - ﵌ - بقطع العمرة والتحلل بحلق رؤوسهم لو يغيّر النبي - ﵌ - من حكمه، أو ينزل الله ﵎ شيئًا من الوحي يأمر نبيه - ﵌ - بأن يدخل مكة، فانتظروا جميعهم (بلا استثناء) لعل شيئًا من ذلك يقع!، ولذلك تمهلوا قليلًا في تنفيذ أمر النبي - ﵌ - رغبة في حدوث مثل هذا الرجاء، فلما خرج النبي - ﵌ -
_________________
(١) انظر: (ص: ٣٠) من هذا الكتاب.
[ ١١٣ ]
عليهم حالقًا وناحرًا هديه، علم الصحابة يقينًا حينئذ انقضاء رجائهم، وتحقق الأمر، فاستجابوا مباشرة عند ذلك لأمر الله ورسوله - ﵌ - فحلقوا رؤوسهم ونحروا هديهم دون تردد منهم فأنزل الله ﵎ فيهم:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
ثالثًا: عمر بن الخطاب - ﵁ - لم يعارض قرار النبي - ﵌ - في الصلح، بل كان يتباحث معه ويشاوره في أمر الأمة، مثلما كانت عادة النبي - ﵌ - في مشاورته للصحابة وخاصة الكبار منهم، حيث إن المشاورة سنة يمتثلها النبي - ﵌ - مع أصحابه بأمر من الله ﷿، لما جاء في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
قال أبو جعفر الطبري:
وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله ﷿ أمرَ نبيه - ﵌ - بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه ومكايد حربه، تألُّفًا منه بذلك من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرةَ التي يُؤْمَنُ عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته مأتى الأمور التي تحزُبهم من بعده ومطلبها، ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه في حياته - ﵌ - يفعله.
فأما النبي - ﵌ -، فإن الله كان يعرِّفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحيه أو إلهامه إياه صوابَ ذلك. وأما أمته، فإنهم إذا تشاوروا مستنِّين بفعله في ذلك، على تصادُقٍ وتأخٍّ للحق، وإرادةِ (^١).
_________________
(١) تفسير جامع البيان: (٧/ ٣٤٥).
[ ١١٤ ]
وقال الفيض الكاشاني عن قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: في أمر الحرب وغيره، مما يصح أن يشاور فيه، استظهارًا برأيهم، وتطييبًا لنفوسهم، وتمهيدًا لسنة المشاورة للأمة عن النبي - ﵌ - لا وحدة أوحش من العُجب، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة. وجاء في نهج البلاغة: (من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها، وفي الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه). وفي الخصال عن الصادق - ﵇ -: (وشاور في أمرك الذين يخشون الله). اهـ (^١).
وفي تلك الحادثة أخذ النبي - ﵌ - مشورة عمر بن الخطاب - ﵁ -، في إرسال عثمان بن عفان - ﵁ - إلى أهل مكة للمفاوضة معهم.
وقد ذكر الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان صلح الحديبية مختصرة فقال عن ابن عباس: (إن رسول الله - ﵌ - خرج يريد مكة، فلما بلغ الحديبية، وقفت ناقته، وزجرها فلم تنزجر، وبركت الناقة. فقال أصحابه: خلأت الناقة. فقال - ﵌ -: ما هذا لها عادة، ولكن حبسها حابس الفيل، ودعا عمر بن الخطاب ليرسله إلى أهل مكة، ليأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته، وينحر هديه، فقال: يا رسول الله! ما لي بها حميم، وإني أخاف قريشًا لشدة عداوتي إياها. ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني، عثمان بن عفان! فقال: صدقت) (^٢).
رابعًا: لماذا نشنع على عمر بن الخطاب - ﵁ - بسبب مشاورته للنبي - ﵌ - ونتهمه بمعارضة أمر النبي - ﵌ -، ونبني عليها طعونًا كثيرة، والنبي - ﵌ - لم ينهه عن ذلك الفعل، إن كان مستحقًا للنهي والزجر؟!
_________________
(١) تفسير الصافي، وانظر: تفسير مجمع البيان، الجوهر الثمين، تفسير معين، تفسير شبر: في تفسير (سورة آل عمران آية: ١٥٩).
(٢) تفسير مجمع البيان: (٩/ ١٩٤)، بحار الأنوار: (٢٠/ ٣٢٩).
[ ١١٥ ]
هل نحن أعلم وأفقه من نبينا - ﵌ - في تربية أصحابه، وفي كيفية تعاملهم مع كلامه؟!
أو أننا علمنا أمرًا قد خفي على النبي - ﵌ -؟! أو أن هناك سببًا آخر يدعو للغيظ والحنق على ما فعله عمر؟
إن مثل تلك المشاورة قد وقعت بين الإمام علي - ﵇ - وشيعته، من أمثال حجر بن عدي في معركة صفين، حينما نهى الإمام علي - ﵇ - جيشه عن لعن وسب معاوية - ﵁ - وجيشه وناقشه في هذه القضية حجر بن عدي وغيره، ومع ذلك لم يطعن الإمام علي - ﵇ - أو من جاء بعده على حجر بن عدي بسبب معارضته لأمر الإمام علي - ﵇ -.
فعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يُظهران البراءة واللعن من أهل الشام، فأرسل إليهما علي - ﵇ -: أن كفّا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين! ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أو ليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرؤون) (^١).
خامسًا: لو سلمنا جدلًا بأن ما فعله عمر - ﵁ - كان مجانبًا للصواب بسبب معارضته لأمر النبي - ﵌ -، فماذا سيكون جوابنا إن قال لنا أحد النواصب: (إن عليًا - ﵇ - كان من رؤوس المعارضين للنبي - ﵌ - في صلح الحديبية، وقد عصى أمره مع سائر الصحابة في عدم حلق رؤوسهم وذبح هديهم؟
بل إن رفض علي بن أبي طالب لأمر النبي - ﵌ - يفوق معارضة عمر بن الخطاب وذلك حينما طلب - ﵌ - منه أن يمسح اسمه عندما كان يكتب كتاب الصلح مع مندوب قريش سهيل بن عمرو فرفض علي بن أبي طالب الانصياع لأمر المصطفى - ﵌ -؟
_________________
(١) مستدرك الوسائل: (١٢/ ٣٠٦)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٩٩)، وقعة صفين: (ص: ١٠٢).
[ ١١٦ ]
ودليل ذلك ما جاء عن أبي عبد الله - ﵇ -، في حديث طويل في قصة صلح الحديبية: (إن أمير المؤمنين - ﵇ - كتب كتاب الصلح: باسمك (^١) اللهم، هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله - ﵌ -، والملأ من قريش، فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك اكتب هذا ما تقاضى عليه محمد بن عبد الله، أتأنف من نسبك يا محمد؟ فقال رسول الله - ﵌ -: أنا رسول الله وإن لم تقروا، ثم قال: امح يا علي! واكتب: محمد بن عبد الله، فقال أمير المؤمنين - ﵇ -: ما أمحو اسمك من النبوة أبدًا، فمحاه رسول الله - ﵌ - بيده) الخبر (^٢).
فبماذا سنرد على ذلك الناصبي حين يقول: لماذا يرفض علي بن أبي طالب أمر النبي - ﵌ - حينما طلب منه أن يمحو اسمه؟ أعلي بن أبي طالب أتقى وأحرص وأعلم من النبي - ﵌ - في عدم رغبته لمسح الاسم؟ بل تكررت منه المعارضة لأمر النبي - ﵌ - مثلما حصل في غزوة تبوك، حينما طلب منه النبي - ﵌ - أن يمكث بالمدينة، كحال بعض الصحابة من أهل الأعذار كابن أم مكتوم وغيره لأسباب معينة رآها النبي - ﵌ - لكنه خرج ولحق بالنبي - ﵌ - محاولًا أن يثنيه عن قراره ويأخذه معه للمعركة.
فعن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن سليمان بن بلال، عن جعيد بن عبد الرحمن عن عائشة بنت سعد، عن أبيها سعد أن عليًا - ﵇ - خرج مع النبي - ﵌ - حتى جاء ثنية الوداع وهو يبكي ويقول: تخلفني مع الخوالف؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟) (^٣).
_________________
(١) وفي المصدر: بسمك.
(٢) مستدرك الوسائل: (٨/ ٤٣٧).
(٣) بحار الأنوار: (٣٧/ ٢٦٢)، العمدة: (ص: ١٢٧).
[ ١١٧ ]
وبماذا نرد على الناصبي لو تساءل قائلًا: لماذا ينزعج علي بن أبي طالب من أمر النبي - ﵌ - له بتركه بالمدينة في غزوة تبوك؟ أيعصي علي النبي - ﵌ - في أمره؟ هل كان علي يجهل أن استخلافه في المدينة منقبة وفضل له أم لا؟ فإن كان يجهل فهذه مصيبة، وإن كان يعلم فالمصيبة.. أعظم.
والرد على كل هذه التقولات على أمير المؤمنين - ﵇ -، هو من مثل ما بيناه في حق أمير المؤمنين عمر - ﵁ -.. فالحق واحد، وإن تعددت صور الافتراءات.
[ ١١٨ ]