لو قال لنا قائل: ماذا تقول فيما فعله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد - ﵃ - بعد وفاة النبي - ﵌ - عند مهاجمتهم بيت الإمام علي - ﵇ -، وقيامهم بربطه، وضرب زوجته حتى كسروا ضلعها وأسقطوا جنينها، ثم أحرقوا منزلهم، على ما ذكرت الروايات التاريخية، فهل مثل هذه الأفعال المشينة تدل على الحب والوئام، أم على السخط والكراهية والشقاق لأهل بيت النبي - ﵌ -؟
الجواب:
أولًا: لا ينبغي لطالب الحق أن ينجرف بمجرد أن يقرأ رواية تاريخية وغيرها تتكلم عن أحبابه، ولا يعرف مصدرها، فضلًا عن أن يعلم صحيحها من سقيمها، ثم يحدث بها وينشرها بين العامة، والغريب أن نجد من يطلق العنان للعاطفة متأثرًا بهذه الروايات فيمتلئ قلبه حقدًا وبغضًا لأصحاب النبي - ﵌ - دون تأمل في سذاجة من افتراها، ودون تأمل لبيان مناقضتها لكرامة أمير المؤمنين وشجاعته المعروفة.
لكن الواجب على من يحب أهل بيت النبي - ﵌ - أن يجتهد ويتحرى، حتى يكون دقيقًا في أخذه للروايات، فيتمسك بالصحيح الذي تنطبق عليه قواعد وشروط الحديث الصحيح ولا يغتر بكثرة الروايات الموضوعة في حادثة معينة ولو اشتهرت.
ثانيًا: إن هذه القصة من الأكذوبات التي يستخدمها أهل الفتن في تمزيق وتفريق صفوف المسلمين، لذلك فإننا نطالب كل باحث للحق أن يجتهد ويبحث عن رواية واحدة صحيحة تثبت وتسند تلك القصة المختلقة، وتنطبق عليها قواعد وشروط الحديث الصحيح، من اتصال في السند، ومن رواية العدل الإمامي الضابط في حفظه.
[ ١٣٧ ]
ومن الغريب أننا نجد كثيرًا من المتمسكين بهذه القصة يؤمنون يقينًا بتلك الرواية، تبعًا للعاطفة ولا ينظرون في صحة الإسناد وضعفه!
قال السيد هاشم معروف الحسني بعد ما أورد الروايات التي تتحدث عما جرى للزهراء ﵇.. إلى كثير من الروايات التي لا تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي (^١).
وقال أيضًا: ومهما كان الحال، فالحديث عن فدك وميراث الزهراء من أبيها ومواقفها من ذلك ومن الخلافة طويل وكثير، وبلا شك فإن الأصحاب والأعداء قد وضعوا القسم الأكبر مما هو بين أيدي الرواة ولا يثبت بعد التمحيص والتدقيق في تلك المرويات إلا قليل القليل (^٢).
وقال كاشف الغطاء: ولكن قضية ضرب الزهراء، ولطم خدها، مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، ويقتنع به مشاعري، لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية -التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييدًا وتأكيدًا- تمنع بشدة أن تضرب المرأة (^٣).
وقد سئل السيد الخوئي عن صحة رواية كسر ضلع الزهراء فأجابهم: على المشهور، ولم يحكم بصحتها (^٤).
ثالثًا: قد يقول قائل: إن عليا أُمِر بعدم مقاتلة الصحابة حين اعتدوا على زوجه سيدة نساء العالمين ﵇، لحفظ راية الإسلام من سقوطها وافتراق أهل الملة بعد وفاة النبي - ﵌ -، وأمره بالصبر على أذاهم.
_________________
(١) انظر: سيرة الأئمة الاثني عشر: (١/ ١٣٣).
(٢) المصدر السابق: (١/ ١٤٠).
(٣) انظر: جنة المأوى: (ص: ١٣٥).
(٤) انظر: صراط النجاة: (٣/ ٣١٤).
[ ١٣٨ ]
ويمكننا أن نقول: إن هذه المقولة أبعد ما تكون عن الصحة، وعلى فرض التسليم بصحتها فلنا أن نتساءل: لماذا قاتل أمير المؤمنين - ﵇ - يوم الجمل طلحة وأم المؤمنين عائشة لما خرجوا إلى الكوفة - وكان هو في مكة - ثم قاتل بعد ذلك جيش معاوية في صفين، وكذلك في النهروان قاتل الخوارج؟! ولم وقع منه كل هذا القتال وسفك الدماء أليس في تلك الفعال دلالة منه على نبذ وصية النبي - ﵌ - بعدم تفريق جماعة المسلمين؟!
لكن الصحيح الذي يتسق مع مجريات الواقع أن عليًا لم يأمره أحد بعدم المقاتلة إن وقع عليه ظلمٌ أو انتهكت حرمات الله، ومن ذلك ما يُدَّعى من وقوع ظلم على زوجه الكريمة وأنه لم ينتصر لها، وهذه الرواية قبل أن يتلفظ بها لسان مسلم عليه أن يتذكر حال أمير المؤمنين وغيرتَه على دين الله، ثم على أهله، وقد ثبت أن النبي - ﵌ - قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) (^١).
وعن الإمام الصادق - ﵇ - أنه قال: (من قُتِل دون مظلمته فهو شهيد) (^٢)، فهل هذا المعتقد خافٍ عن أمير المؤمنين وفارس الشجعان؟!
وحذار أن يتلفظ مسلم عاقل بكلام يكون عليه لا له، وليس فيه نصرة لأهل بيت النبي - ﵌ - ذلك أن من يدعي أن عليًا قاتل جيش طلحة، ومن بعده أهل صفين نصرة لقضية الإمامة فلِمَ كان بعيدًا عن نصرة أهل بيته حين ضربوا حتى كادوا أن يموتوا؟!
إن هذا الأمر يأنف منه ضعفاء البشر فضلًا عن فضلائهم وأصحاب المكانة.
رابعا: يستطيع كل صاحب فتنة -لا يتقيد بالروايات الصحيحة- أن يروي روايات بلا أسانيد صحيحة، لمجرد وجودها وانتشارها في بعض الكتب التاريخية أو الأدبية، ويؤمن بها
_________________
(١) صحيح البخاري: (٣/ ١٣٦).
(٢) انظر الكافي: (٥/ ٥٢)، تهذيب الأحكام: (٦/ ١٦٧)، وسائل الشيعة: (١٥/ ١٢١).
[ ١٣٩ ]
بعد ذلك، وتصبح عنده من المسلمات اليقينية التي لا تقبل التشكيك في صحتها.
بل يستطيع كذلك كل مبغض وكاذب على العترة - ﵈ - أن يدعي أن قضية ضرب الزهراء وإسقاط جنينها وإحراق بيتها مؤامرة مدبرة، قام بها أبو بكر وعمر بالاشتراك مع زوجها الإمام علي، في سبيل القضاء على الزهراء ﵇.
ويكون هذا الهذيان والاتهام الباطل مبنيًا وفق زعم ذلك الحاقد على دلائل ومؤشرات يستنبطها من القصة المختلقة نفسها، وتكون وفق زعمه كالآتي:
١ - قام أمير المؤمنين علي - ﵇ - بتمثيلية متقنة حين وافق على تقييده عن طريق الصحابة عند دخولهم المنزل وعلى ضربه، ليوهم أهل بيته بأنه ضحية هذا التجمع والتآمر، من قبل شخص عمره تجاوز الستين، والآخر جاوز الثالثة والخمسين، مع العلم بأن قوة أمير المؤمنين - ﵇ - لا يقاومها أحد من الإنس والجن، مثل ما نقل عنه أنه اقتلع باب خيبر العظيم لوحده بينما لا يستطيع حمله أربعون رجلًا.
٢ - أن اعتذار وتحجج أمير المؤمنين - ﵇ - عن عدم مقاومته للصحابة بسبب حرصه على حقن دماء المسلمين حجة واهية؛ لأن الصحابة قد ارتدوا بعد وفاة النبي إلا ثلاثة وفق ما تقرره الروايات عن أهل البيت - ﵈ -! فهل كان مقصود أمير المؤمنين - ﵇ - بدماء المسلمين هؤلاء الثلاثة فقط؟!! وهل دماء الصحابة أغلى وأزكى عنده من دم الزهراء ﵇ فلا يحافظ عليها ويدافع عنها؟!!
٣ - تزوج أمير المؤمنين علي - ﵇ - بعد وفاة الزهراء بتسع ليال بامرأة من بني حنيفة ولقب ولدها بابن الحنفية، ووافق بعد ذلك على تزويج أم كلثوم ابنة الزهراء ﵇ لعمر بن الخطاب أحد أعضاء المؤامرة، مما يدل على حرصه على توثيق الصلة مع أعداء زوجته، وعلى عدم حبه ووفائه للزهراء ﵇.
[ ١٤٠ ]
٤ - عندما أصبح الإمام علي قاضيًا ووزيرًا في زمن الخليفة الأول والثاني، كان هذا مثل المكافأة جزاء لما قام به من إتقانه للدور.
٥ - حرصه على تسمية أولاده بأسماء أبي بكر (^١) وعمر وعثمان، وتزوجه بأرملة أبي بكر فيه الدلالة على حرصه وافتخاره بما صنعوا في الماضي وسعيه إلى تخليد ما قاموا به من أعمال ولو كانت ضد الزهراء.
٦ - لم يعط أمير المؤمنين علي - ﵇ - أولاد فاطمة الزهراء ميراثهم من والدتهم من فدك حينما استلم خلافة المسلمين، وسار على طريقة أصحابه الخلفاء من قبله، بل ولم يمنع التراويح ولا أعاد المتعة.
فهل يقبل المحب لأهل البيت - ﵈ - أن ينسب ناصبيٌ مبغضٌ مثل هذه التهم لأصحاب النبي - ﵌ - بضربهم للزهراء وإحراق بيتها، ثم يقول بتخاذل أمير المؤمنين عن نصرتها ويستند إلى مرويات مكذوبة، ليست لها عند التأمل قيمة علمية، أم ينافح ويبين الصواب والحق الذي يجمع ولا يفرق؟!
_________________
(١) تأمل أخي الكريم أن الاسم هنا كنية، وهذا تعبير جلي من أمير المؤمنين - ﵇ - عن حبه لعبدالله بن أبي قحافة (الصديق) إذ أن هذه الكنية لم تشتهر لأحدٍ إلا له - ﵁ -.
[ ١٤١ ]