الموقف الصحيح (الحق) من أصحاب النبي - ﵌ -
إن الموقف الصحيح فيما حدث بين أصحاب النبي - ﵌ - هو موقف الاعتدال والوسط بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
فالواجب علينا أن نتولى جميع أصحاب النبي - ﵌ -، لاسيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان، ونعرف فضلهم ومناقبهم ودرجاتهم كما ذكر الله ﷿ في كتابه، وما جاء في سنة النبي - ﵌ -، وأن نمسك عما شجر بينهم من خلاف، وأن نعلم أن ما وقع بينهم بعد مقتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان - ﵁ - من فتنة وفرقة مرجعه إلى الاجتهاد، إذ كل واحد منهم يظن أنه على الحق دون غيره، مثلما كان يقول أمير المؤمنين علي - ﵇ - لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكنا رأينا أنّا على الحق ورأوا أنهم على الحق) (^١).
وعلينا أن نقتدي ونهتدي بهدي الأئمة - ﵈ - في ذلك، فلا نلعن ولا نسب أحدًا من أصحاب النبي - ﵌ - لنكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
_________________
(١) قرب الإسناد: (ص: ٤٥)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٢٤).
[ ٨٣ ]
قال الشيخ محمد علي الصابوني:
بيَّن تعالى أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار أن يذكر السابقين بالرحمة والدعاء، فمن لم يكن كذلك بل ذكرهم بسوء فقد كان خارجًا عن جملة أقسام المؤمنين بمقتضى هذه الآيات (^١).
وقال الشيخ محمد باقر الناصري:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني من بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ أي يدعون ويستغفرون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي حقدًا وغشًا وعداوة للمؤمنين، ولا إشكال أن من أبغض مؤمنا وأراد به السوء لأجل إيمانه فهو كافر، وإذا كان لغير ذلك فهو فاسق (^٢).
وقال الشيخ محمد السبزواري النجفي:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني من بعد هؤلاء وهؤلاء، وهم سائر التابعين لهم إلى يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ أي أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين بالمغفرة والتجاوز عن الذنوب ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي لا تجعل فيها حقدًا ولا كرهًا ولا غشا، واجعل قلوبنا معصومة عند ذلك لا تحب لهم إلا الخير ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ أي متجاوز عن خطاياهم متعطف عليهم
_________________
(١) تفسير صفوة التفاسير: (٣/ ٣٣٣).
(٢) تفسير مختصر مجمع البيان، وانظر: تفسير الكاشف، المنير (سورة الحشر: ١٠).
[ ٨٤ ]
بالرزق والمغفرة (^١).
ولله در الإمام العابد الزاهد زين العابدين - ﵇ - حين سنّ لنا منهجًا مباركًا يسير عليه أحبابه وشيعته، وذلك لما قدم إليه نفر من أهل العراق، فخاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ -، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: (ألا تخبروني، أنتم من الذين قال الله فيهم ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨]؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]؟ قالوا: لا.
قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠] اخرُجُوا عني، فعل الله بكم) (^٢). انتهى.
ولنتذكر قول المولى سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤].
_________________
(١) تفسير الجديد (سورة الحشر: ١٠).
(٢) كشف الغمة: (٢/ ٧٨).
[ ٨٥ ]
قال ابن كثير:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: إن السلف الماضين من آبَائِكُمْ من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١)
وقال محمد جواد مغنية:
هذه الآية تشير إلى مبدأ عام، وهو أن نتائج الأعمال وآثارها تعود غدًا على العامل وحده، لا ينتفع بها من ينتسب إليه إن تكن خيرًا، كما لا يتضرر بها غيره إن تكن شرًا، وقرر الإسلام هذا المبدأ بأساليب شتى، منها الآية (١٦٤) من سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ومنها الآية (٣٩) من سورة النجم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ ومنها قول الرسول الأعظم - ﵌ - لوحيدته فاطمة (^٢): (يا فاطمة، اعملي ولا تقولي: إني ابنة محمد فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا) وأمثال ذلك، والتبسط في هذا الموضوع إن دل على شيء فإنما يدل على أننا حتى اليوم نجهل أوضح الواضحات، وأظهر البديهيات (^٣).
وإذا أردت أن ترى المنهج الواقعي في حياة أهل بيت النبي - ﵌ - في إظهار محبة الصحابة والترابط الذي كان بينهم فاقرأ ما يأتي.
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم: (١/ ٢٣٠).
(٢) الثابت ثبوتا قطعيا أنها ليست وحيدته فمعها أم كلثوم، ورقية، وزينب وإن كانت الزهراء أفضلهن.
(٣) تفسير الكاشف: (سورة البقرة آية: ١٣٤).
[ ٨٦ ]