إن وقوع الفتن والقتال بين صحابة النبي - ﵌ - إنما حصل بعد الانتهاء من المؤامرة التي أوقدها عبد الله بن سبأ اليهودي نتيجة نشره الحقد وبثه السموم بين الجهلة وضعاف الإيمان من مسلمة الأمصار، وقد أتت هذه المؤامرات بثمارها الخبيثة والتي قطفها الأوباش بالخروج على خليفة المسلمين عثمان بن عفان وقتله في داره.
وازداد الأمر سوءًا بعد استشهاد عثمان - ﵁ -، فانتشرت جراثيم الشر في صفوف المسلمين لتنفث سمومها، ذلك أنه لما بويع علي - ﵁ - خليفة على المسلمين اندس هؤلاء الخوارج السبئيون بين صفوف أهل المدينة وجيش المسلمين، ولم يكن بمقدور أمير المؤمنين علي في وقتها إخراجهم وتصفيتهم، والأخذ بالثأر منهم في قتلهم لخليفة المسلمين عثمان بن عفان - ﵁ -، خشية تفاقم الفتن والقتلى بين أهل المدينة، مثلما فعل الخليفة المظلوم عثمان - ﵁ -.
ولما طالبه أهل المدينة بمعاقبة من أجلب على عثمان بن عفان - ﵁ - الشر، قال لهم أمير المؤمنين: (يا إخوتاه! إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف لي بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم، وهاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، والتفت إليهم أعرابهم، وهم خلالكم ما شاءوا، وهل ترون موضعًا لقدرت على شيء تريدونه؟ إن هذا الأمر أمر جاهلية، وإن لهؤلاء القوم مادة - أي: عونًا - إن الناس من هذا الأمر - إذا حرك- على أمور: فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون، وفرقة لا ترى هذا ولا ذاك، فاصبروا حتى يهدأ الناس، وتقع القلوب مواقعها، وتؤخذ الحقوق مسمحة -أي: ميسرة- فاهدءوا عني، وانظروا ماذا يأتيكم به أمري، ولا تفعلوا فعلة تضعضع قوة وتسقط منه وتورث وهنًا
[ ٦٦ ]
وذلة وسأمسك الأمر ما استمسك، وإذا لم أجد بدًا فآخر الدواء الكي) (^١).
منذ تلك اللحظات بدأت الفتن تتغلغل بين أصحاب النبي - ﵌ - وأفضت إلى انقسامهم إلى طوائف، لما أنقسمت الآراء وتعددت الإجتهادات، فترى طائفة وجوب السرعة في الأخذ بالثأر من قتلة خليفة المسلمين عثمان بن عفان، وطائفة أخرى ترى وجوب التريث حتى يستتب الأمر لأمير المؤمنين، فاندس أهل الفساد والسوء بين تلك الأطراف المجتهدة.
ونتيجة لهذا التفرق لم يهدأ بال أهل الفساد من ترك الأمر على ما هو عليه، بل استغلوا كل مناسبة لتأجيج نار الفرقة والخلاف والنفخ في نار الفتنة والسوء، فانتهزوا فرصة خروج طائفة من الصحابة من مكة إلى البصرة، فأسرعوا بتهييج العواطف من أن هؤلاء أرادوا الشر وتفرقة صفوف الأمة.. ووقعت بعد ذلك.. معركة الجمل.