لم تكن معركة صفين مختلفة عن واقعة الجمل بأطرافها أو الغاية منها، لذا ذكر علماء التاريخ أن سبب الخلاف والقتال بين أمير المؤمنين علي ومعاوية في صفين لم يكن بسبب أن لمعاوية طمعًا وتطلعًا للخلافة كما يدعي ويروج له الكثير من الكتاب.
فمعاوية لم يرفع إلى الخلافة رأسًا، ولم يبايع له بها أحد من المسلمين، ولم يقاتل عليًا على أنه خليفة، بل كان سبب الخلاف بين خليفة المسلمين علي بن أبى طالب وأمير الشام معاوية أنه لم يمتثل بما أمره به خليفة المسلمين من عزله من ولاية الشام والإقرار له بالخلافة.
كان معاوية يريد إنفاذ القصاص في قتلة خليفة المسلمين المغدور به، وقد أشيع كذبًا عند أهل الشام أن الخليفة عليًا امتنع عن معاقبة وملاحقة قتلة عثمان عند توليه خلافة المسلمين وبدلًا من ذلك قاتل أهل الجمل، وأن في جيشه من هو متهم في قتل خليفة المسلمين السابق.
وحرصًا من أمير المؤمنين على توضيح الأمر، وإبطال المزاعم المنشورة، وجمع شتات المسلمين، أرسل كتابًا لمعاوية، مبينًا فيه إثبات أحقية خلافته كما ثبتت خلافة من قبله مع تبرؤه من دم عثمان - ﵁ -، فقال: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتِّباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم
[ ٦٨ ]
عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى، فتجنّ ما بدا لك، والسلام) (^١).
فلما نشب القتال بين صفوف المسلمين، وسالت الدماء فيما بينهم، انتهت المعركة برفع جيش معاوية - ﵁ - المصاحف، طالبين التحكيم فيما بينهم بما يرضي الله ﷿، فرضي خليفة المسلمين علي - ﵇ - بهذا الطلب ورجع إلى الكوفة، ورجع معاوية - ﵁ - إلى الشام بشروط اتفق عليها الطرفان.
وقد قصّ أمير المؤمنين علي - ﵇ - للأمصار ما جرى بينه وبين أهل صفين، فقال: (وكان بدء أمرنا أنَّا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، والأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء) (^٢).
ولم يكن الأمر سرًّا، أو ما جرى بين الصحابة في صفين في خفاء عن المسلمين، أو عن أحد من أهل بيت النبي - ﵌ -، بل كان الحدث جليًا معلومًا تتداوله ألسنة الأئمة فيما بينهم. فقد روى الإمام جعفر الصادق عن أبيه: أن عليًا - ﵇ - كان يقول لأهل حربه: (إنا لم نقاتلهم على التكفير لهم، ولم نقاتلهم على التكفير لنا، ولكن رأينا أنَّا على الحق ورأوا أنهم على الحق) (^٣).
إن تلك الخلافات والفتن التي حدثت بين أصحاب النبي - ﵌ - من قتال فيما بينهم، مع بغي أحدهم على الآخر، وما حصل بينهم بعد ذلك من إصلاح وتحكيم بما يرضي الله ﷿، ثم قبول كل من الطرفين بهذا الحكم، إنما يذكرنا بقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
_________________
(١) نهج البلاغة: (ص: ٣٦٦)، بحار الأنوار: (٣٣/ ٧٦).
(٢) نهج البلاغة: (ص: ٤٤٨)، بحار الأنوار: (٣٣/ ٣٠٦).
(٣) قرب الإسناد: (ص: ٤٥)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٢٤).
[ ٦٩ ]
إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠].
قال الشيخ محمد على الصابوني - ﵀ -
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ أي وإنْ حدث أنَّ فئتين وجماعتين من إخوانكم المؤمنين جنحوا إلى القتال فأصلحا بينهما، واسعوا جهدكم للإِصلاح بينهما، والجمعُ ﴿اقْتَتَلُوا﴾ باعتبار المعنى، والتثنية بَيْنَهُمَا باعتبار اللفظ ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ أي فإِن بغت إحداهما على الأخرى، وتجاوزت حدَّها بالظلم والطغيان، ولم تقبل الصلح وصمَّمت على البغي ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي فقاتلوا الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله وشرعه، وتُقلع عن البغي والعدوان، وتعمل بمقتضى أخوة الإِسلام ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ أي فإن رجعت وكفَّت عن القتال فأصلحوا بينهما بالعدل، دون حيفٍ على إِحدى الفئتين، واعدلوا في جميع أموركم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي يحبُّ العادلين الذين لا يجورون في أحكامهم (^١)
وقال الشيخ محمد باقر الناصري في تفسيره:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ أي: فريقان من المؤمنين قاتل أحدهما الآخر
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وابذلوا الوسع في إصلاحهما، ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ بأن طلبت ما لا يحق لها، وقاتلت ظالمة معتدية، فانصروا الفئة المظلومة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ لأنها ظالمة، ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ حتى ترجع إلى طاعة الله وتترك البغي والظلم، فإن رجعت وتابت فعودوا لإجراء الصلح بينهما، ﴿بِالْعَدْلِ﴾ دون ميل أو جور ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي:
_________________
(١) تفسير صفوة التفاسير: (٣/ ٢١٧).
[ ٧٠ ]
اعدلوا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين فأصلحوا بين الفريقين وأعينوا المظلوم وادفعوا الظالم عن ظلمه (^١).
والحرص على الإصلاح والسعي، وإلى جمع شعث المسلمين كان رجاء أمير المؤمنين علي - ﵇ -، وكذلك البعد عن كل ما يوقع البغضاء والفرقة في نفوس المسلمين، لهذا سعى أمير المؤمنين علي - ﵇ - إلى البعد عن كل ما يثير الأحقاد ويفرق الصفوف ومن ذلك: القول السيئ، فنهى من كان في جيشه عن لعن وشتم جيش معاوية بن أبي سفيان، مع حدوث القتال فيما بينهم.
فعن عبد الله بن شريك قال: (خرج حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران البراءة واللعن لأهل (^٢) الشام، فأرسل إليهما علي - ﵇ -: أن كفّا عما يبلغني عنكما. فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين، ألسنا محقين؟ قال: بلى. قالا: أوليسوا مبطلين؟ قال: بلى. قالا: فلم منعتنا من شتمهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا لعانين شتامين يشهدون ويتبرءون، ولكن لو وصفتم مساوئ أعمالهم، فقلتم: من سيرتهم كذا وكذا، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان لعنكم إياهم وبراءتكم منهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق منهم من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به، كان هذا أحب إلي وخيرًا لكم) (^٣).
_________________
(١) تفسير مختصر مجمع البيان (٣/ ٣٠٨)، وانظر أيضًا: تفسير المعين، بيان السعادة، مقتنيات الدرر، الميزان، الكاشف في تفسير سورة الحجرات: (٩ - ١٠).
(٢) وفي الأصل: من أهل الشام.
(٣) مستدرك الوسائل: (١٢/ ٣٠٦)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٣٩٩)، وقعة صفين: (ص: ١٠٢).
[ ٧١ ]
وهذا النهي منه - ﵇ - لم يكن لخاصة شيعته فقط، بل جهر بنهيه - ﵇ - وأوصى جيشه بأكمله، قاصدًا أن يعمم هذا النهي لكل زمان ومكان، فقال لجيشه في صفين أيضًا: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصَوَب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم) (^١).
كانت هذه صفحات من تاريخنا الإسلامي رويت على غير مقصدها وعلى خلاف ما كانت عليه بعد أن لعبت فيها أيدي التشويه والتحريف، وكان لابد لنا من هذه الوقفة حتى نضع الأمور في نصابها الصحيح وموضعها اللائق بها، وحتى نُعذر إلى الله تعالى، ونبرأ مما لوَّثته أقلام حرَّكها الزيف، ومن ورائها قلوب ملأها الحقد على الإسلام وأهله.
_________________
(١) نهج البلاغة: (ص: ٣٢٣)، بحار الأنوار: (٣٢/ ٥٦١).
[ ٧٢ ]