الحلقة التاسعة: صلاة النوافل أيها المسلم القانت لله، أيها الحاج الدائب على عبادة الله، كم قد أتاح لك الإسلام من فرص تزدلف فيها إلى ربك، وكم قد أعانك على نفسك بأعمال البر والخير يشرعها لك لتنال عليها أجر القانتين وثواب البررة الصالحين، تعمل العمل القليل فيعطيك الله عليه الأجر الكثير، ولم يقف الإسلام في فرض الفرائض بل أردفها بنوافل العبادة؛ لتجبر نقص الفرائض ولتلتئم بها الفتوق في الواجبات، وإلى جانب كل فريضة نوافل مشروعة يقوم بها العبد ابتغاء رضوان الله، وطلبا للأجر من الله.
فالصلوات المكتوبة مثلا، شرع إلى جانب كل صلاة نوافل، حدد الشرع عدد ركعاتها، وحث عليها ورغب فيها لدرجة أنها إذا فاتت المسلم شرع له قضاءها، وهي
[ ٥٤ ]
ما سميت بالسنن الراتبة.
صح عن أم حبيبة زوج النبي أن النبي - ﷺ - قال: «من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة»، أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر وهما آكد السنن بدليل أن رسول الله - ﷺ - أمر بقضائها، كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلهما» . رواه البيهقي.
وعن عائشة - ﵂ - قالت: «لم يكن رسول - ﷺ - على شيء من النوافل أشد معاهدة - أي مواظبة - من الركعتين قبل الصبح» . رواه البخاري ومسلم.
أما نافلة الجمعة فقد صح عنه - ﷺ - أنه قال: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا» . رواه مسلم.
وصح أنه - ﷺ - صلى بعد الجمعة ركعتين في بيته، وللجمع بين الحديثين قال العلماء: إن صلى في المسجد
[ ٥٥ ]
صلى أربعا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين.
وهناك نوافل غير مؤكدة كصلاة ركعتين أو أربع كعات قبل العصر، لورود أحاديث بها، وصلاة ركعتين قبل المغرب لقوله - ﷺ -: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب " ثم قال في الثالثة: " لمن شاء» كراهية أن يتخذها الناس سنة، وكصلاة ركعتين قبل العشاء لقوله - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة» - أي نافلة - في كل النوافل أجر مضمون إن شاء الله والأجر على قدر المشقة.
وأفضل صلاة النافلة ما كان في البيت لما روي عنه - ﷺ -: «صلاة الرجل في بيته تطوعا نور، فمن شاء نور بيته» .
وقال أيضا: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا» - أي كالقبور لا يصلى فيها.
صلاة الوتر: من النوافل التي حث عليها رسول الله - ﷺ - (الوتر) فقد صح عن الإمام علي - ﵁ - أنه قال: (إن
[ ٥٦ ]
الوتر ليس بحتم - أي ليس بلازم - ولكن رسول الله - ﷺ - أوتر ثم قال: «يا أهل القرآن أوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر» .
ووقت الوتر بعد صلاة العشاء، ويمتد إلى الفجر، لما روي من حديث أبي بصرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله زادكم صلاة، - وهي الوتر - فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر» .
ويستحب تعجيل صلاة الوتر أول الليل لمن خشي أن يغلبه النوم ويستغرق فيه، ولا يستيقظ آخر الليل، وعلى العكس من وثق من نفسه القيام آخر الليل فيستحب له تأخيره، لحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من ظن منكم أنه يستيقظ آخره فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل محضورة - أي تحضرها الملائكة - وهي أفضل» - رواه مسلم والترمذي.
عدد ركعات الوتر وصفته: روي عن النبي - ﷺ - «الوتر بثلاث عشرة ركعة وإحدى عشرة ركعة، وتسع، وسبع، وخمس، وثلاث،
[ ٥٧ ]
وواحدة. وأقله ثلاث ركعات بسلامين» ويجوز أداء الوتر ركعتين، ركعتين، يسلم المصلي على رأس كل ركعتين ثم يصلي ركعة. ويتشهد ويسلم، ويجوز غير ذلك مما صح به النقل عن النبي - ﷺ -. ولا يجوز التعصب لأداء الوتر على طريقة معينة والتزامها دون غيرها من الطرق الواردة تعصبا لمذهب من المذاهب، فكل المذاهب ملتمسة السداد والصواب من هدي الرسول - ﷺ -، وسنته هي المورد العذب، فما صح منها يجب أن يؤخذ به دون تردد أو تعصب، والاختلاف في الدين رأس الخطايا.
وقد ذم الله عليه بعض الأمم السابقة تحذيرا من صنيعهم فقال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: ١٧]
دعاء القنوت وموضعه: روى الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي - ﵄ - قال: «علمني رسول الله - ﷺ - كلمات أقولهن في الوتر: " اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت،
[ ٥٨ ]
وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت وصلى الله على النبي محمد» .
ويجوز أن يدعو المصلي في القنوت بما شاء.
أما موضع القنوت فقد نقل أهل العلم جواز القنوت قبل الركوع وبعد الرفع من الركوع. سئل بعض السلف عن ذلك فقال: نفعل قبل وبعد. أي نقنت قبل الركوع وبعده.
صلاة التراويح: من السنن المشروعة في رمضان صلاة التراويح يقوم المسلمون بأدائها جماعة في المساجد والدور أو منفردين، يحيون بها جزءا من أول الليل من بعد صلاة العشاء، ويستمر وقتها إلى آخر الليل لأنها في الواقع من قيام الليل، وقيام الليل لا يقتصر على جزء معين منه.
أما عدد ركعاتها فصح عن أم المؤمنين عائشة - ﵂ - «أن النبي - ﷺ - (ما كان يزيد في رمضان ولا في
[ ٥٩ ]
غيره على إحدى عشرة ركعة)» .
ونقل أن الناس كانوا يصلون على عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وعثمان وعلي - ﵃ - عشرين ركعة.
صلاة المريض: دين الإسلام هو دين السماحة واليسر كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقال - ﷺ -: «بعثت بالحنيفية السمحة» .
ومن يسر الإسلام وسماحته ورفعه الحرج عن الأمة أن رخص للمريض في الصلاة كيف ما تيسر له، وعلى قدر استطاعته، فله أن يصلي قاعدا إذا عجز عن القيام، وله أن يصلي على جنبه يومئ بالركوع والسجود ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
روي عن الصحابي الجليل عمران بن حصين - ﵁ - قال: «كانت بي بواسير، فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة فقال: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» . وفي رواية للنسائي: «فإن لم
[ ٦٠ ]
تستطيع فمستلقيا - قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]» . وإذا جاز هذا في الفرض فجوازه في النفل مطرد.
وفي حديث علي - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «فإن لم تستطع فعلى جنب» وفي رواية النسائي: «فإن لم يستطع صلى قاعدا فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة» رواه الدارقطني.
صلاة العيدين وصفتهما: سبق أن عرضنا في إحدى الحلقات لعناية الإسلام بأمر الجماعة ودعمها، وتهيئة الفرص للمسلمين لاجتماعات يومية وأسبوعية، لإشاعة التضامن وبذل التعاون، وأخذ فكرة بالوقوف أمام الله صفا واحدا لوحدة الصف واجتماع الكلمة وإلى جانب الاجتماعات اليومية والأسبوعية اجتماع سنوي هيأه الإسلام لمحتضنيه لإظهار الفرحة والبهجة، وشكر النعمة على التوفيق للطاعة والتمكين من العبادة - أحدهما عقب الفراغ من
[ ٦١ ]
صيام شهر رمضان المبارك، وهو اجتماع عيد الفطر، وفي الصحراء يخرج إليه المسلمون رجالا ونساء، شيوخا وأطفالا، حتى الحيض شرع أن يحضرن هذا الاجتماع كما جاء في حديث أم عطية قالت: «أمرنا أن نخرج العواتق (١) والحيض إلى المصلى يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل الحيض المصلى» . رواه البخاري ومسلم. قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
والاجتماع الثاني: اجتماع عيد الأضحى بالطريقة نفسها التي يتم بها الاجتماع لعيد الفطر إلا أن الحاج قد يشتغل عنه بأعمال النسك.
وقت صلاة العيد: وقت صلاة العيد من حين ترتفع الشمس قيد رمح أي بقدر ستة أذرع.
صفتها وعدد ركعاتها: وصلاة العيد ركعتان كصلاة الجمعة إلا أنه يسن فيها
_________________
(١) العواتق: البنات الأبكار.
[ ٦٢ ]
أن يكبر المصلي قبل قراءة الفاتحة في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية بعد القيام من السجود خمس تكبيرات، يرفع يديه مع كل تكبيرة، وليس لصلاة العيدين سنة لا قبلها ولا بعدها لحديث أبي داود قال: قال النبي - ﷺ -: «ليس لصلاة العيدين سنة لا قبلها ولا بعدها» . ولما روى البخاري عن ابن عباس - ﵄ -: «خرج رسول الله - ﷺ - يوم فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ومعه بلال» .
وسن أن يخطب الإمام للعيد خطبتين كالجمعة، إلا بعد الصلاة لحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: «كان النبي - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس جلوس على صفوفهم يعظهم ويوصيهم ويأمرهم»، الحديث.
صلاة الجنازة: لقد عني الإسلام بكرامة المسلم حيا وميتا - قال تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]
[ ٦٣ ]
ولقد كان من تكريم المسلم ميتا أن شرع للمسلمين غسله وتكفينه وحمله والصلاة عليه ثم دفنه، وبالدفن تنتهي الصلة بينه وبين عالم الأحياء ويقدم على ما قدم من عمل، يقدم على رب كريم يعفو عن السيئة ويتجاوز عن الذنب العظيم.
أما صفة صلاة الجنازة أو الصلاة على الميت فهي أن يقف المصلون صفوفا ثلاثة على الأفضل يتقدمهم الإمام، فيكبرون على الميت أربع تكبيرات يقرءون بعد التكبيرة الأولى الفاتحة، ويقرءون بعد التكبيرة الثانية الصلاة على النبي - ﷺ - التي تقرأ في التشهد الأخير، ويقرءون بعد التكبيرة الثالثة الدعاء للميت ومنه (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فاحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء
[ ٦٤ ]
والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار) . ثم يكبرون التكبيرة الرابعة ويسلمون.
والصلاة على الميت شفاعة من الأحياء في الميت، جاء في الحديث «أن الميت إذا صلى عليه أربعون من المسلمين شفعهم الله فيه» .
وإذا كان الميت صغيرا قال المصلي في دعائه بعد قوله: (ومن توفيته منا فتوفه عليهما، اللهم اجعله ذخرا لوالديه، وفرطا وأجرا، وشفيعا مجابا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم وقه برحمتك عذاب الجحيم) ثم يسلم المصلي عن يمينه تسليمة واحدة.
[ ٦٥ ]