الحلقة الثامنة: يوم الجمعة وفضله أيها المسلم الاجتماعي، أيها الحال في منازل الرضوان إن دين الإسلام دين اجتماعي، يعنى بأمر الجماعة، ويهيئ الفرص للمسلمين لاجتماعات تتكرر بتكرر اليوم والأسبوع والعام.
أما الاجتماع اليومي ففي المساجد لصلاة الجماعة وتفقد شؤون الأسر الإسلامية في الأحياء المتجاورة.
وأما الاجتماع الأسبوعي أو عيد الأسبوع فهو اجتماع يوم الجمعة، بشكل أوسع في الجوامع الكبيرة التي تضم أكبر عدد من مساجد الأحياء.
ويجتمع فيها القاصي بالداني ممن تباعدت أحياؤهم وتناءت مساكنهم يجتمعون في المساجد لسماع التوجيه الإسلامي الذي يشجع صالحهم للمضي في خط سيره
[ ٤٥ ]
الراشد، ويصلح فاسدهم ويأخذ بيده لانتشاله من وهدة الرذيلة ويهديه إلى التي هي أقوم.
ويوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع كما جاء في الحديث عن المصطفى - ﷺ - أنه قال: «سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه إياه، ما لم يسأل حراما» - أي أن الله يستجيب للعبد في هذه الساعة كل ما يدعو به شريطة أن لا يدعو الله بشيء محرم يأثم به، مثل أن يسأل الله أن يمكنه من عمل المعاصي، وقيل: إن هذه الساعة التي يستجيب الله فيها الدعاء هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل غير ذلك.
والحكمة في إخفائها ليعنى المسلمون بكل أوقاتها، بحيث لا يضيعون فرصة في يوم الجمعة عن الاشتغال بالعبادة والدعاء والصلاة على النبي - ﷺ - ففي الصلاة على النبي - ﷺ - في هذا اليوم مزية خاصة، لقوله - ﷺ -: «أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة» . وهو - ﷺ - سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة
[ ٤٦ ]
عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، ويستحب لمن تجب عليه الجمعة أي من كان حرا بالغا مقيما أن يتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويبكر إليها ويقترب من الإمام ليستمع للوعظ ويتذكر.
روى الصحابي الجليل سلمان الفارسي - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ويدهن - أي يزيل شعث الرأس ويتجمل - أو يمس من طيب بيته، ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له - أي من الوقت الذي يصل فيه المسجد حتى يصعد الإمام إلى الخطبة - ثم ينصت للإمام إذا تكلم - أي إذا وعظ وذكر في خطبته - إلا غفر له من الجمعة إلى الجمعة الأخرى» . رواه الإمام أحمد والبخاري.
الوعيد في ترك الجمعة: وحيث قد جعل الإسلام ليوم الجمعة هذا الفضل العظيم، وخص صلاة الجمعة بمزيد من التذكير والتوجيه والحث على المسارعة إليها كما قال تعالى:
[ ٤٧ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] كان للمحروم من هذا الفضل العظيم، المعرض عن أداء فريضة الجمعة وعيد صارخ يقض مضجعه وينذره بسوء المصير، روي عن أبي هريرة وعبد الله بن عمر - ﵄ - أنهما سمعا النبي - ﷺ - يقول على أعواد منبره - أي في الخطبة -: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات - أي عن تركهم لصلاة الجمعات - أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» . رواه مسلم وغيره.
النهي عن الكلام والإمام يخطب وتخطي الرقاب: ولما كانت حصيلة المسلم من حضور الجمعة والتبكير إليها والقرب من الإمام هو سماع الخطبة والانتفاع بها، حظر الإسلام كل ما يشغل المسلم عنها ووجهه إلى الاستماع والإنصات حتى ولو كان بعيدا عن الإمام لئلا يشوش على غيره. روي عن أبي عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من تكلم يوم الجمعة والإمام
[ ٤٨ ]
يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا، والذي يقول لصاحبه أنت - أي والإمام يخطب - لا جمعة له» أي لا جمعة كاملة له.
وصح عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر، فرجل حضرها يلغوا فهو حظه منها، - أي نصيبه من الجمعة اللغو دون الأجر - ورجل يدعو - أي يدعو الله ساعة الخطبة - إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تلها وزيادة ثلاثة أيام - أي تكفر ذنوب عشرة أيام - وذلك أن الله ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]» .
رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد.
بم تدرك الجمعة وكم عدد ركعاتها: قد تصرف المسلم عن التبكير إلى الجمعة صوارف الحياة أو يكون له عذر قاهر للتأخر فلا يدرك الإمام إلا وهو راكع أو ساجد أو في التشهد. فماذا يصنع هل
[ ٤٩ ]
يتم صلاته جمعة أم ظهرا؟ .
والجواب: أن أكثر أهل العلم يرى أن من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فهو مدرك الجمعة، فعليه أن يضيف إلى الركعة التي أدركها مع الإمام ركعة أخرى فتتم له جمعة؛ لأن الجمعة ركعتان وتدرك الركعة بالركوع لا بعده، فإن أدرك المأموم إمامه بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية كأن أدركه في السجود أو التشهد مثلا فقد فاتته الجمعة. وعليه أن يتم صلاته ظهرا إذا كان نوى الظهر وقد دخل وقتها وذلك قول أكثر العلماء.
نقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: (من أدرك من الجمعة ركعة واحدة فليضف إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا) . رواه الطبراني بسند حسن.
وقال عبد الله بن عمر - ﵄ -: (إذا أدركت من الجمعة ركعة فأضف إليها أخرى، وإن أدركتهم جلوسا فصل أربعا) رواه البيهقي.
[ ٥٠ ]
ويرى الإمام أبو حنيفة - ﵀ - وصاحبه أبو يوسف أن من أدرك التشهد مع الإمام فقد أدرك الجمعة، فيصلي ركعتين بعد سلام الإمام، وقد تمت جمعته.
الصلاة في زحام الناس: من المعلوم بداهة أن كل صاحب عقل سليم بعد أن يطرق سمعه أفضلية صلاة الجمعة والجماعة وما وعد الله عليها من الأجر العظيم، يحرص الحرص كله على حضور الجماعة، وخاصة في المسجد الحرام الذي تضاعف فيه أجر الصلاة إلى مائة ألف صلاة، فيحدث من ذلك تزاحم الناس حتى لا يجد المصلي موضعا لسجوده فماذا يصنع؟
لقد أغنى المسلمين إجابة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - ﵁ - حيث قال وهو يخطب: (إن رسول الله - ﷺ - بنى هذا المسجد، - يعني مسجد المدينة -، ونحن معه، المهاجرون والأنصار، فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه) . ورأى قوما يصلون في الطريق فقال: (صلوا في المسجد) .
[ ٥١ ]
متابعة الإمام ومسابقته: يقول رسول الله - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به - أي ليكون قدوة يقتدي به المصلون - فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا»، الحديث رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أخرى مزيد من الإيضاح حيث يقول رسول الله - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد» . وفي ذلك إشعار بضرورة أن تكون انتقالات المأموم في الصلاة بعد إمامه لا قبله ولا معه.
أما مسابقة الإمام بمعنى التكبير قبله، والركوع والسجود قبله، فهي محرمة بدليل الوعيد الوارد في ذلك، حيث يقول رسول الله - ﷺ -: «أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول صورته صورة حمار؟» .
[ ٥٢ ]
وعن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالقعود، ولا بالانصراف» أي بالتسليم. رواه مسلم.
[ ٥٣ ]