هذه الصفة العظيمة يُتعبد بها لله تعالى، ويُتقرَّب إليه بها. فوجه الله عظيم، ووجهه جليل، ندعوه بهذه الصفة ونتعوذ به بها، فإنَّ لها من الكمال والإجلال ما لا يعلمه
[ ٥٨ ]
إلا الله، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨]. وهنا لنا وقفتان:
إحداهما: في السؤال بوجه الله تعالى: وهو أن من التعبد لله تعالى أن نساله بصفة الوجه (١)، لأنها من صفات الله تعالى، وأنها صفة عظيمة، وصفات الله تعالى كلها عظيمة.
والثانية: في التعوذ بوجه الله تعالى: من التعبد لله تعالى بصفة الوجه أيضًا أن نتعوذ بها ونتحصن بها، ولنا في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة.
ففي الحديث الذي رواه البخاري عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]
_________________
(١) مثل: اللهم إني أسالك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تقضي لي حاجة كذا (قل).
[ ٥٩ ]
قَالَ: «هَاتَانِ أَهْوَنُ، - أَوْ أَيْسَرُ -». فلقد تعوذ الرسول - ﷺ - بالله تعالى بهذه الصفة الجليلة، التي تدل على إجلال الله تعالى وعظمته، فإن لها من الإجلال والإكبار ما لا يعلمه إلا الله.
ولذلك تعوذ بها الرسول - ﷺ - وتحصن بها من وقوع العذاب المُهلك من فوقنا ومن تحت أرجلنا، فكانت الإجابة من الله تعالى بصرف هذا العقاب وهذا العذاب، إجلالًا لهذه الصفة. فقد سال رسول - ﷺ - بعظيم، فتضاءلت المسالة المطلوبة أمام عظمة الصفة التي طلب بها، فما كان إلا الإجابة تفضلًا من الله تعالى.