إن من صفات الله تعالى: السمع والبصر، فهو ﷾: سميع بصير، وكما علمنا أنهما سمع وبصر يليقان بجلال الله تعالى وعظمته فـ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]. ولكن كيف نتعبد لله تعالى بهذين الاسمين وهاتين الصفتين؟
إن التعبد لله تعالى بهذين الاسمين وهاتين الصفتين له
[ ٦٠ ]
جوانب عديدة لا يعلمها إلا الله، ومِن هذه الجوانب ما يلي:
١ - جانب الثبات على الحق: فإذا علم العبد أنَّ له ربَّا يسمع ويبصر، وأنه يعلم ويحيط بكل أموره، ولا يتركه طرفة عين، كان ذلك دافعًا ويقينًا قويَّا وعزيمة فتيًّة للثبات على الحق. فهذا القول: الذي قال العبد ابتغاء مرضاة الله قد سمعه الله ﷿، وسجَّلته الملائكة، والعبد يحتسبه عند مولاه ﷾، وهذا الفعل: الذي قام به العبد ابتغاء مرضاة الله ولاقَى في سبيله ما لاقَى، فإن الله به بصير، ولن يذهب عمله سُدى. فعقيدة المسلم الصابر الثابت على الحق، جَعَلَتْه يتعبد لله تعالى بصفتي السمع والبصر، فهو محتسب ذلك كله عند ربه، لأن ربه لم يتركه هَمَلًا، ولم يكن ربه غافلًا ولا ساهيًا، حاشا لله تعالى.
ونلمس هذا النوع من التعبد في قصة موسى وهارون ﵉ عندما أمرهما ربهما ﵎ أن يذهبا إلى فرعون، وأن يأمراه بالمعروف وينهياه عن المنكر، ولكنهما خشيا على
[ ٦١ ]
نفسيهما من بطش هذا الجبار. قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾ [طه].
وتأتي الإجابة من الله تعالى بالتوجيه الرباني لموسى وهارون ﵉: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، (١) فسبحان السميع البصير!
٢ - جانب المراقبة والخشية: أيضًا من الجوانب التي نتعبد بها لله تعالى لهذين الاسمين وهاتين الصفتين، جانب (المراقبة والخشية)، فإنَّ العبد إذا آمن بأن له ربًّا يسمعه، يسمع صوته وهمسه، جهره وسره، وإذا آمن العبد من قلبه بأن له ربًّا يبصره ويطلع عليه في حركاته وسكناته، وجميع أعماله وأفعاله، فإنَّ ذلك يدعوه لأن يراقب هذا الإله ويخشاه، فإنه يسمع ويبصر، وسيحاسب عباده وهو بهم عليم، علمٌ جاء عن سمع وبصر، لا يعزب عنه مثقال ذرة في
_________________
(١) هذا سمع نصر وتأييد كما تقدم. (قل).
[ ٦٢ ]
السماوات ولا في الأرض.
فمن التعبد لله تعالى بهذين الاسمين وهاتين الصفتين أن نستشعر سمع الله لنا وإبصاره لنا في جميع أقوالنا وأفعالنا.
فكل كلمة، بل كل حرف، بل الغمز واللمز، الله مطلع عليه، بل يعلم سبحانه ما يُحَدِّث به العبد نفسه، فلمَّا علم العبد المؤمن ذلك، وَتَعَبُّدًا -لله تعالى- بصفتي السمع والبصر، وأن ربه سميع بصير، تراجع عما يغضب ربه، بل أقدم على ما يرضي هذا الإله العظيم الحليم، فأَمَرَ نفسه بمعروف، ونهاها عن منكر، وألزمها ألا يُسْمِعَ ربَّهُ منهُ إلا ما يرضيه، وألا يُبْصِرَهُ ربُّهُ إلا في طاعة، فيبصره حيث أمره، ويفتقده حيث نهاه. اهـ.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات].
***
[ ٦٣ ]