المبحث الأول: تعريف الشرك في اللغة والإصطلاح
تبين مما تقدم في الفصول السابقة أن سورة "الزمر" تناولت أنواع التوحيد الثلاثة، وقد تقدم الحديث عنها في الفصول الثلاثة المتقدمة ثم تعرضت للشرك الذي هو أعظم ذنب عصي الله به في الأرض ولقد دار الحديث في السورة حول الشرك عن بيان أصل الشرك في بني الإنسان ثم عرضت لذم الإنسان على جعله أندادًا لله تعالى، ثم جاء البيان فيها للفرق بين المشرك والموحد، ثم ختم الحديث فيها عن الشرك بالتحذير منه، وبيان أنه محبط للعمل، وسنتحدث عن هذه الأمور بطريقة مفصلة في المباحث التي ستأتي بعد تعريف الشرك في اللغة، والإصطلاح، وبيان أنواعه فنقول:
الشرك في اللغة:
جاء في مقاييس اللغة: أن مادة "الشرك" المكونة من حرف "الشين والراء والكاف" لها أصلان:
أحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة فالأول: الشركة وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما ويقال: شاركت فلانًا في الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا إذا جعلته شريكًا لك قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ١ ويقال في الدعاء: اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك.
_________________
(١) سورة طه آية: ٣٢.
[ ٣٧١ ]
وأما الثاني: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضًا، وشرك النعل مشبه بهذا، ومنه شراك الصائد سمي بذلك لامتداده١.
وقال في اللسان: "الشركة والشركة سواء" مخالطة الشريكين يقال: اشتركنا بمعنى: تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء٢ وجاء في تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك وهو بمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار" اهـ٣.
وفي اللسان: "وطريق مشترك: يستوي فيه الناس، واسم مشترك تستوي فيه معان كثيرة"٤.
وقال في الصحاح: "والشرك أيضًا: الكفر، وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركي" اهـ٥.
وجاء في تاج العروس: مبينًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ٦ ومعناه: الذين صاروا مشركين بطاعتهم للشيطان، وليس المعنى أنهم آمنوا بالله وأشركوا بالشيطان، ولكن عبدوا الله وعبدوا معه الشيطان فصاروا بذلك مشركين فهو مشرك ومشركي"٧.
وزاد في اللسان "مثل الشرك في الجاهلية وهو تلبيتهم حول الكعبة لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك "يعنون بالشريك الصنم" اهـ٨، وفي تهذيب اللغة:
قال الليث: "شرك الصائد: حبائل الصيد، وكذلك ما ينصب للطير" وفي الحديث أعوذ
_________________
(١) مقاييس اللغة: ٣/٢٦٥.
(٢) لسان العرب ١٠/٤٤٨.
(٣) ١٠/١٧ تاج العروس ٧/١٤٨، لسان العرب ١٠/٤٤٩.
(٤) ١٠/٤٤٩.
(٥) ٤/١٥٩٣.
(٦) سورة النحل آية: ١٠٠.
(٧) ٧/١٤٨.
(٨) ١٠/٤٥٠.
[ ٣٧٢ ]
بك من شر الشيطان وشركه"١ أي حبائله ومصائده يعني ما يدعو إليه، ويوسوس به من الإشراك بالله تعالى٢.
ومما تقدم يتبين أن مدلول كلمة "الشرك" تطلق على النصب والتسوية، والمخالطة والمصاحبة، والكفر، وحبائك الصيد والشبكة، والقاعدة المتبعة في اللغة العربية أن الكلمات ذات المادة الواحدة، يكون فيما بينها ترابط وثيق وإذا تأملنا المدلولات السابقة لكلمة "الشرك" نلمس الترابط الواضح فيما بينها.
فالشرك أن يجعل غير الله مشاركًا له فيما هو من خالص حقه على عباده، ومن فعل هذا فقد سوى بين الله وبين من أشركه معه في العبادة بمعنى أنه اتخذ إلهًا آخر مع الله لأنه قصد غير الله بشيء من العبادة فجعله شريكًا لله في عبادته بقدر كبير، أو صغير في ذات، أو وصف.
وأما تعريف الشرك في الإصطلاح:
فقد تنوعت عبارات العلماء في تحديده، وعلى الرغم من تنوعها فإن كل عبارة منها تكمل الأخرى.
فبعض أئمة اللغة جعله بمعنى الكفر.
قال صاحب القاموس: "وأشرك بالله كفر" أ. هـ٣.
وجاء في تهذيب اللغة "الشرك أن تجعل لله شريكًا في ربوبيته تعالى الله عن الشركاء والأنداد" أ. هـ٤.
وقال الراغب: "وشرك الإنسان نوعان":
أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى يقال: أشرك فلان بالله وذلك أعظم كفر قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة ٥/١٣٤، والدارمي في سننه ٢/٢٩٢.
(٢) تهذيب اللغة ١٠/١٨ تاج العروس ٧/١٤٩، لسان العرب ١٠/٤٥٠.
(٣) ٣/٣١٨.
(٤) ١٠/١٦.
(٥) سورة النساء آية: ١١٦.
[ ٣٧٣ ]
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
والثاني: الشرك الأصغر وهو: مراعاة غير الله في بعض الأمور وهو الرياء قال تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢.
فتعريف الشرك في الإصطلاح: "هو ضد التوحيد كالكفر ضد الإيمان وهو أن يجعل الإنسان لله شريكًا فيما هو من خالص حقه - سبحانه - مثل أن يتخذ إلهًا، أو آلهة يعبدها أو يطيعها، أو يستعين بها، أو يحبها، أو نحو ذلك مما لا يستحقه إلا - الرب جل وعلا - فمن صدر منه هذا الاعتقاد فقد أشرك بالله العظيم وحبط عمله، ولا يصلح مع الشرك أي عمل إذ من شروط قبول العمل عند الله تعالى أن يكون خالصًا لوجهه الكريم ليس لغيره فيه حظ ولا نصيب"٣.
_________________
(١) سورة النساء آية: ٤٨.
(٢) المفردات في غريب القرآن ص٢٥٩ - ٢٦٠ والآية رقم ١٠٦ من سورة يوسف.
(٣) انظر تجريد التوحيد للمقريزي ص٢٧ - ٢٨، تيسير العزيز الحميد ص٢٧، "توضيح المقاصد وتصحيح القواعد" ٢/٢٦٦.
[ ٣٧٤ ]