المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر ومعنى الإيمان به
القضاء في اللغة:
جاء في لسان العرب: "تكرر في الحديث ذكر القضاء، وأصله القطع والفصل. يقال: قضى يقضي قضاءًا فهو قاض إذا حكم وفصل، وقضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه فيكون بمعنى الخلق.
وقال الأزهري: "القضاء في اللغة: على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله أو أتم، أو ختم، أو أدى أداء، أو أوجب، أو علم، أو أنقذ، أو أمضى فقد قضى. قال: وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث، ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ١ أي: خلقهن، فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس، وهو القدر والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه"٢.
وأما تعريف القضاء شرعًا:
"فهو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال"٣.
_________________
(١) سورة فصلت آية: ١٢.
(٢) اللسان ١٥/١٨٦.
(٣) لوامع الأنوار البهية ١/٣٤٥.
[ ٤٩٣ ]
وأما تعريف القدر في اللغة:
"فهو بتحريك الدال وتسكن "مصدر" بفتح الدال - مخففة - إذا أحطت بمقداره و"أل" فيه وفي "القضاء" عوض عن مضاف إليه أي: بتقدير الله - تعالى - لذلك"١.
وأما تعريف القدر اصطلاحًا:
فقد عرفه بعضهم: بأنه "تحديده - تعالى - أزلًا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح، ونفع وضر وما يحويه من زمان ومكان، وما يترتب عليه من طاعة وعصيان وثواب وعقاب وغفران.
وحده بعضهم "بأنه إيجاد لله - تعالى - الأشياء على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها طبق ما سبق به العلم وجرى به القلم"٢ ثم من العلماء من فرق بين القضاء والقدر ومنهم من اعتبرها شيئًا واحدًا. قال ابن بطال: عند شرحه لتعوذ النبي ﷺ: "من جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء" ٣ "والمراد بالقضاء هنا المقضي لأن حكم الله كله حسن لا سوء فيه" ثم قال الحافظ وقال غيره: "القضاء: الحكم بالكليات على سبيل الإجمال في الأزل. والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل"٤.
وقال الخطابي: "قد يحسب كثير من الناس أن معنى القدر من الله تعالى والقضاء معنى الإجبار، والقهر للعبد على ما قضاه وقدره، ويتوهم أن قوله ﷺ: "فحج آدم موسى" ٥ من هذا الوجه، وليس كذلك، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من أفعال العباد واكتسابهم وصدورها عن تقدير منه تعالى وخلق لها خيرها وشرها قال: والقدر: اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر كالهدم والنشر والقبض أسماء لما صدر عن فعل الهادم، والناشر، والقابض يقال: قدرت الشيء، وقدرت خفيفه وثقيله بمعنى واحد،
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) لوامع الأنوار البهية ١/٣٤٥.
(٣) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة. انظر فتح الباري ١١/١٤٧.
(٤) "فتح الباري" ١١/١٤٨.
(٥) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة. انظر فتح الباري ١١/٥٠٥.
[ ٤٩٤ ]
قال: والقضاء: معناه في هذا الخلق كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ١ أي خلقهن، وإذا كان الأمر كذلك فقد بقي عليهم من وراء علم الله فيهم أفعالهم واكتسابهم، ومباشرتهم تلك الأمور، وملابستهم إياها عن قصد وتعمد وتقديم إرادة واختيار والحجة إنما تلزمهم بها واللائمة تلحقهم عليها قال: وجماع القول في هذا أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" اهـ٢. فمن جعل للقضاء والقدر تعريفًا واحدًا كابن بطال والخطابي فمعناه: "هو النظام المتقن الذي وضعه الله لهذا الكون علويه وسفليه والقوانين العامة، والسنن التي ربط بها الأسباب بمسبابتها وهذا المعنى: هو الذي وردت به الكثير من الآيات القرآنية كقوله تعالى ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار﴾ ٣ وقوله - جل شأنه - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٥ قال قتادة: سألت سعيد بن المسيب عن القدر فقال: "ما قدر الله فهو قدر"٦. وقد أجاب الإمام أحمد حين سئل عن القدر فقال: "القدر قدرة الله تعالى" قال ابن القيم معلقًا على تعريف الإمام أحمد: "واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًا وقال هذا يدل على دقة علم أحمد وتبحره في معرفة أصول الدين وهو كما قال أبو الوفاء فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الله على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها وسلف القدرية كانوا ينكرون علمه بها وهم الذين انفق سلف الأمة على تكفيرهم"٧ وفي الحقيقة أن تعريف الإمام أحمد السابق جامع مانع لمدلول القدر فالإمام أحمد رحمه الله تعالى يقصد أن القدر هو ما قرره - سبحانه - في قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ﴾ ٨ وقوله: ﴿بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٩ وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِه﴾ ١٠ وغير ذلك من الآيات التي
_________________
(١) سورة فصلت آية: ١٢.
(٢) معالم السنن شرح سنن أبي داود ٥/٧٦ - ٧٧ وانظر لوامع الأنوار ١/٣٤٧ - ٣٤٨.
(٣) سورة الرعد آية: ٨.
(٤) سورة الحجر آية: ٢١.
(٥) سورة القمر آية: ٤٩.
(٦) ذكره عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة ص١١٦.
(٧) شفاء العليل ص٢٨ وانظر توضيح المقاصد وتصحيح القواعد ١/٢٥٧.
(٨) سورة آل عمران آية: ١٥٤.
(٩) سورة يس آية: ١٣.
(١٠) سورة يونس آية: ٣.
[ ٤٩٥ ]
تدل على أنه لا يحدث شيء في هذا الكون إلا بإرادته تعالى ومشيئته.
قال الطحاوي: "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد، إلا ما شاء الله فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره" اهـ١. ومما تقدم يفهم معنى الإيمان بالقدر. فالإيمان بالقدر هو أن يصدق الإنسان تصديقًا جازمًا بأن كل خير وشر فهو بقضاء الله وقدره وأنه - سبحانه - الفعّال لما يريد لا يكون الشيء إلا بإذنه وإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته وليس في الوجود شيء خارج عن تقديره ولا محيد لأحد عما قدره الله، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المحفوظ وأنه - تعالى - هو الخالق لأفعال عباده كلها من طاعات ومعاصي ومع ذلك فقد أمرهم - سبحانه - ونهاهم وجعلهم مختارين لجميع أفعالهم وليسوا مجبورين عليها بل تحصل منهم بقدرتهم وإرادتهم يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
الإيمان بالقدر على درجتين كل درجة تتضمن شيئين:
فالدرجة الأولى:
الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق فأول ما خلق الله القلم قال له اكتب قال ما أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطئه لم يكن ليصيبه جفت الأقلام وطويت الصحف كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ٢. وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ ٣.
وهذا التقدير التابع لعلمه - سبحانه - يكون في مواضع جملة وتفصيلًا فقد كتب في
_________________
(١) شرح الطحاوية ص١٥٣.
(٢) سورة الحج آية: ٧٠.
(٣) سورة الحديد آية: ٢٢.
[ ٤٩٦ ]
اللوح المحفوظ ما شاء، وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ونحو ذلك، فهذا التقدير قد ينكره غلاة القدرية قديمًا ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية:
فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه ما في السموات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله - سبحانه - لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه - سبحانه - على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه لا خالق غيره ولا رب سواه ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته، وهو - سبحانه - يحب المتقين والمحسنين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد، والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم والعبد هو المؤمن، والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة والله خالقهم وقدرتهم وإرادتهم" اهـ١.
فشيخ الإسلام ﵀ تعالى - أبان لنا الكيفية المطلوبة في الإيمان بالقدر بل إنه أوجز لنا القدر كله بمراتبه الأربع في هذه العبارات القليلة وهذه الكيفية التي ذكرها هي الواجب المطلوب من الإنسان من حيث إيمانه بالقدر وكيفيته.
_________________
(١) العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص ١٣٠ - ١٣٦.
[ ٤٩٧ ]