المبحث الأول: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما
أولًا - تعريف النبي والرسول:
النبي في اللغة: مشتق النبأ وهو الخبر قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ ١ وإنما سمي النبي نبيًا لأنه مخبر، فهو مخبر بمعنى أن الله أخبره وأوحى إليه قال تعالى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٢ وبمعنى كونه مخبرًا فهو يخبر عن الله تعالى بأمره ووحيه قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
وقيل: "إن النبوة مشتقة من "النبوة" وهي المكان المرتفع من الأرض، وتطلق العرب لفظ النبي على علم من أعلام الأرض التي يهتدي بها، والرابط بين لفظ النبي والمعنى اللغوي واضح ذلك أن النبي ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة، فالأنبياء كما هو معلوم أشرف خلق الله وهم الأعلام التي يهتدي بها العباد فيما يكون فيه صلاح دينهم ودنياهم"٤.
تعريف النبي في الإصطلاح
النبي في الإصطلاح: هو الذي ينبئه الله بأن يعمل بشريعة من قبله ولم يرسل إلى كفار خالفوا أمر الله ليبلغهم رسالة من الله إليهم وقد يوحى إليه وحي خاص في قصة معينة فالأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين بهم"٥.
_________________
(١) سورة النبأ آية: ١ - ٢.
(٢) سورة التحريم آية: ٣.
(٣) سورة الحجر آية: ٤٩.
(٤) الصحاح للجوهري ٦/٢٥٠٠، لسان العرب ١٥/٣٠٢، المصباح المنير ٢/٥٩١.
(٥) كتاب النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٢٥٥، ٢٥٦ طبع دار القلم بيروت - لبنان.
[ ٤٦٥ ]
وأما تعريف الرسول في اللغة:
فالإرسال في اللغة: هو التوجيه١ فإذا بعثت شخصًا في القيام بمهمة ما فهو رسولك قال تعالى حكاية عن ملكة سبأ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٢.
فالرسل: إنما سموا بذلك لأنهم وجهوا من قبل - الباري جل وعلا - قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرًَا﴾ ٣ قال ابن عباس: "يتبع بعضهم بعضًا" اهـ٤. فالله تعالى بعث رسله برسالة معينة وكلفهم بحملها وأمرهم بتبليغها إلى الناس. تعريف الرسول في الإصطلاح:
الرسول في الإصطلاح: "هو الذي ينبئه الله، ثم يأمره بأن يبلغ رسالته من خالف أمره كنوح فقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس وقبلهما آدم كان نبيًا مكلمًا"٥.
ثانيًا - الفرق بين النبي والرسول:
لا يصحُ قول من يقول أنه لا فرق بين النبي والرسول، إذ القرآن شاهد بعدم صحة هذا القول حيث ورد في كتاب الله العزيز عطف النبي على الرسول قال - تعالى - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ٦. وأيضًا وصف الله - تعالى - بعض الرسل بالنبوة والرسالة وهذا يدل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة كقوله - تعالى - في شأن موسى ﵊: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ ٧.
والذي شاع عند أهل العلم أن الرسول أعم من النبي: قال شارح الطحاوية بعد أن
_________________
(١) لسان العرب ١١/٢٨٣، وانظر الصحاح للجوهري ٤/١٧٠٩، المصباح المنير ١/٢٢٦.
(٢) سورة النمل آية: ٣٥.
(٣) سورة المؤمنون آية: ٤٤.
(٤) تفسير ابن كثير ٥/٢٠.
(٥) النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٢٥٥.
(٦) سورة الحج آية: ٥٢.
(٧) سورة مريم آية: ٥١.
[ ٤٦٦ ]
ذكر الفرق بين النبي والرسول: "ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها فالنبوة جزء من الرسالة إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها" أ. هـ١.
وجاء في لوامع الأنوار البهية في تعريفه للنبي قال: "وهو إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر بتبليغه فهو رسول أيضًا على المشهور فبين النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، والرسول أفضل من النبي إجماعًا لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة على الأصح" أ. هـ٢.
وما ذكره شارح الطحاوية وصاحب لوامع الأنوار فيه بعد لأمرين:
الأمر الأول: أن الله - تعالى - أخبر بأنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٣. ولو كان الفرق بينهما إنما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبي أن يبلغ ما أنزل الله إليه من الوحي.
الأمر الثاني: روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد " الحديث٤ فهذا الحديث دل على أن الأنبياء أمرهم الله بتبليغ ما أوحاه إليهم وأنه حصل بينهم تفاوت في الإستجابة لهم من قبل أممهم.
والتعريف الراجح هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال: "فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول.
"وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول" أ. هـ٥.
_________________
(١) شرح الطحاوية ص١٦٧.
(٢) ١/٤٩ - ٥٠.
(٣) سورة الحج آية: ٥٢.
(٤) ١/١٩٩.
(٥) النبوات ص٢٥٥ وانظر تفسير الألوسي ١٧/١٧٣.
[ ٤٦٧ ]
ومما يؤكد هذا أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما توفي نبي بعث الله بعده نبيًا آخر بذلك كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام١. وأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى كانوا يحكمون بالتوراة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا ﴾ الآية٣.
فالآيتان دلتا على أن النبي يوحى إليه شيء من السماء ويوجب على قومه أمرًا، وهذا لا يحصل إلا بعد أن يجب عليه التبليغ.
_________________
(١) انظر صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٩٥.
(٢) سورة المائدة آية: ٤٤.
(٣) سورة البقرة آية: ٢٤٦.
[ ٤٦٨ ]